ظاهرياً، يرجع ذلك الى تدنّي أسعار المنتجات التركية بالمقارنة مع مثيلاتها في لبنان بسبب الدعم الذي تُقدّمه الدولة لإنتاجها المحليّ الضخم والدورة الاقتصادية المحصورة في البلد دون حاجته إلى الاستيراد، وهو ما أمّنه النظام الحمائي المنتهج لعرقلة إدخال سلع يُنتج الداخل مثيلاً لها، إضافة إلى الآلات المتطوّرة التي يتمّ تحديثها باستمرار، واعتماد المدن الصناعية على محطات كهرمائية لتوليد الطاقة، ما يساهم في خفض سعر هذه الأخيرة. كما لا يمكن إغفال توفّر يد عاملة متخصّصة وبأكلاف متدنية على الأراضي التركية.

فلماذا يرتفع هامش الأرباح في لبنان ويدفع الفرد أحياناً ضعفي السعر المُحدّد لمنتج مشابه في تركيا (خصوصاً في ما يتعلّق بقطاع الملبوسات)؟

ضخامة الإنتاج
يرى الأمين العامّ لنقابة أصحاب مصانع المنسوجات ناجي مزنر أنّ الأسباب الكامنة وراء انخفاض الأسعار في تركيا «تعود إلى ضخامة حجم الأعمال بالمقارنة بتلك الموجودة في الأسواق اللبنانية. فالمتجر التركي الصغير يبيع مثلاً 10 أو 15 ضعفاً ما يبيعه المتجر الكبير في لبنان. من جهة أخرى، يتمّ الإنتاج في تركيا نفسها، وبالتالي تكون الدورة مختصرة داخل البلد من دون الحاجة الى الاستيراد، خصوصاً بعدما فتحت على الدول التركمانية التي كانت تابعة للاتحاد السوفياتي، فانتقلت الموادّ الأولية نصف المُصنّعة إليها وهو ما خفّض أسعار الإنتاج، بعد أن وقّعت تركيا معها اتفاقيات تجارة حرّة فانتقلت المصانع التركية التي تحتاج إلى يد عاملة مكثفة وذات كلفة متدنيّة إلى الدول التركمانية ليعاد تصديرها في منشأ تركي».

تسهيلات وحوافز
تتميّز تركيا بمناطقها أو مدنها الصناعية المتقدّمة مثل مرسين وأضنة، إزمير وبورصة. وبالنسبة لموضوع النسيج، يعدّ هذا القطاع متطورّاً من ناحية التكنولوجيا المستعملة، مع العلم أنّ قسماً كبيراً من الآلات يتمّ إنتاجها محلياً. كما تُؤمّن خدمات الصيانة للآلات والمتابعة ما بعد البيع من قبل التقنيين بأسعار منافسة على الأراضي التركية.

انخفض عدد مصانع المنسوجات من 360 معملاً في السبعينيات إلى 5 مصانع اليوم


ويلفت مزنر الى «تواجد الاتحاد الجمركي مع الاتحاد الأوروبيّ الذي يؤمّن الاتصال بينهما من دون أي عوائق بالنسبة إلى الاستيراد أو التصدير. كما أنّ الأوروبيين يقومون بالاستثمار في تركيا خصوصاً الإيطاليين والألمان منهم. وتخضع المنتجات المستوردة من دول لا تجمعها مع تركيا اتفاقيات تجارة حرّة أو اتحادات جمركية لرسوم عالية، على اعتبار أن تركيا لا تحتاج إلى استيراد منتجات مماثلة. وتُقدّم أنقرة عدة حوافز لمنتجيها منها الإعفاء بجزء كبير من الضريبة على القيمة المضافة، تخفيض 50 % على الرسوم المحلية عند التصدير، تأمين المعارض دون أية أكلاف، دعوة المستوردين من الخارج على حساب الحكومة. يُضاف إلى ما سبق انخفاض أسعار الطاقة والكهرباء التي تعتمد على موارد مائية وتوفّر اليد العاملة. أمّا في لبنان، وبالشكل الشرعيّ، فتُكلّف اليد العاملة ضعفي ما تُكلّف في تركيا. كما تُشكّل إنتاجية العامل التركي ضعف إنتاجية العامل في قطاع المنسوجات والألبسة في لبنان، هذا إن وُجد هذا العامل. وهو ما يدفع إلى استيراد عمال من الخارج مع ما يتطلّبه الموضوع من معاملات صعبة ودفع أموال إضافية لتأمين اليد العاملة المؤهّلة».

تضاؤل اليد العاملة
بدوره، يُشدّد رئيس نقابة الدباغين اللبنانيين أنطوان فرحات على أنّ مهنة دباغة الجلود قد زالت في لبنان بسبب غياب اليد العاملة إذ «تتلاشى المعامل وباتت تعمل للخارج. ومع أنّ الجلد في لبنان أرخص من مثيله في تركيا، غير أنّه لا يُمثل سوى 15 الى 20% من سعر السلعة المُصنعة»، مشيراً في المقابل إلى «ارتفاع كلفة اليد العاملة المحلية على خلاف كلفتها في تركيا». ويُضيف: «أصبح اللبنانيون يشترون من تركيا ومن الصين مع لجوئهم إلى ماركات يتمّ إدخالها الى السوق اللّبنانيّ عبر التهريب». ويؤكّد أخيراً على إلزامية تصنيع الجلد الخام في البلد قبل شحنه، أي واجب الامتناع عن تصديره قبل تصنيعه. وللأسف، يتمّ تصديره خامّاً من لبنان على خلاف الدول الأخرى، وهو ما يؤثر سلباً على التصنيع المحليّ بغياب هذه المادة. من هنا ضرورة حماية الصناعة المحلية.

الحلّ...الرجل الآلي؟
وعن الحلول المُقدّمة لتدارك الوضع، يشير مزنر إلى أنّ الاتفاقيات التي عُقدت مع بعض الدول لم يستفد منها لبنان على صعيد الإنتاج بل كانت لصالح الطرف الثاني على عكس التوقعات التي رافقت إبرامها. ويُذكّر بأنّ 4 إلى 5 مصانع تستمرّ اليوم في العمل من أصل 360 مصنعاً في قطاع المنسوجات كان مُسجلاً في النقابة في فترة السبعينيات. «وباتت مصادر الأقمشة صينية وتركية وهندية وإندونيسية، مع العلم أنّ الأنسجة المستوردة معفية من الرسوم الجمركية دون أي حماية للإنتاج المحليّ، على اعتبار أنّ هذا التدبير سيساعد قطاع الألبسة.
لكن تبيّن مع التجربة، أنّ قطاع الألبسة اضمحلّ بجزء كبير منه، مع الإشارة الى أنّ المنسوجات والألبسة شكّلا أهمّ قطاع تصديريّ في لبنان». ويتابع: «ليست الطاقة ذات أهمية كبيرة في قطاع الألبسة مقارنةً باليد العاملة التي باتت غير متوفرة في لبنان، وهو ما يحثّ على استيراد اليد العاملة. لذلك، لا بدّ من السماح باستيراد يد عاملة رخيصة كما في دبي لتنشيط هذا القطاع. ويبقى الأمل معقوداً على إدخال الرجل الآلي الذي سيغني عن اليد العاملة الواجب استيرادها في مجال المنسوجات، مع الاستفادة من خبرات الأدمغة اللّبنانية لتشغيل وإدارة هذه الآلات المتطورة. وهو ما يحتاج إلى تمويل طويل الأمد وبفوائد مقبولة مع شروط سهلة».

فورة قطاع الـHaute couture
إضافة إلى الأمل الكامن في الانتقال إلى التكولوجيا الحديثة، والمحافظة على المصانع التي لا تزال مستمرة في مجال الألبسة، لا بدّ من دعم قطاع تصميم الأزياء الـ Couture والـHaute couture الذي يناسب الوضع في لبنان، فمن الملاحظ وجود حوالى 400 مشغلٍ حالياً لمصممين يملكون قدرات وكفاءات كبيرة، عدا عن زيادة أعداد هذه الفئة كلّ سنة في لبنان على عكس معامل الألبسة التقليدية. كما بات هناك عدد من الجامعات في بيروت يُخرّج سنوياً مُصممين يفتحون مشاغل خاصة بهم، مع العلم أنهم لا يتأثرون كثيراً بالمنافسة في ما خصّ الأسعار بل بتلك المتعلقة بالاسم والنوعية والتصميم الفريد، وهو ما يُشكّل أهمّ مميزات لهذا القطاع. فهل ستقوم الدولة بتشجيعه أم ستتربّص الأعين به للاستفادة ضرائبياً منه؟

* [email protected]