كتاب «اغنى رجل في بابل» لجورج كلاسون كتب في عشرينيات القرن الماضي بأسلوب قصصي وحكم معبرة وما زال يعتبر من اكثر الكتب تحفيزاً في مجال الثروة والمال. الخطوة الاساسية نحو الثروة بحسب الكتاب تكمن في الادخار. ومن الجمل اللافتة في الكتاب قول تاجر ثري لاحد الاشخاص الذي طلب منه تعليمه كيف يصبح ثرياً «يا لك من أبله!! إنك تدفع لكل الناس فيما عداك انت... إنك تعمل من أجل الآخرين».


الادخار... ونجاح الامم

يحتل الاقتصاد الصيني المرتبة الثانية عالمياً، والادخار كان إحدى الركائز المهمة للنهضة الاقتصادية للتنين الآسيوي. تشير الدراسات الى ان نسبة ادخار الفرد في الصين في العهد الماوي كانت تشكل حوالى 3% من الدخل. مع بداية النمو الاقتصادي للصين في ثمانينيات القرن الماضي وبفضل حملات التوعية والتشجيع على الاستثمار ارتفعت نسب الادخار حتى بلغت 26% عام 2007.
سنغافورة من جهتها كانت دولة فقيرة مع موارد شبه معدومة وهي الآن من اغنى الدول واكثرها رقياً وتطوراً في العالم. من عوامل نجاح سنغافورة كان الادخار حيث انه تم تأسيس عام 1955 برنامج ادخار وطني إجباري يجعل الموظفين يشاركون بنسبة من رواتبهم الشهرية في ادخار مستقبلي، وبفضل هذا البرنامج تمكن اليوم حوالى %85 من السنغافوريين من امتلاك منازل لهم.
اما في اليابان فإن معدل ادخار اليابانيين من دخلهم السنوي بلغ 35%، ويتمكن الفرد الياباني بالاجمال من ادخار حوالى 25% من راتبه.
العالم العربي ولبنان... الطعام اساس الهدر
اشارت دراسة اعدها الاتحاد العربي للصناعات الغذائية الى ان العرب ينفقون 45% من دخلهم على الطعام وتأتي مصر في المرتبة الاولى بمعدل 52%، يليها العراق 49%، ثم سوريا 48% ولبنان 44%.
بحسب موقع Aljazeera.net فان 75% من الاسر العربية لا تدّخر شيئاً من مداخيلها الشهرية، و9 من اصل 10 مقيمين في الخليج لا يعتبرون الادخار من اولوياتهم، فيما ان 46% من الاشخاص في سن ما قبل التقاعد لا يدخرون ولا يعتزمون الادخار.
اما في لبنان وبحسب المسح الوطني الشامل الذي اجراه معهد باسل فليحان عام 2012 فان 47% من اللبنانيين لا يحاولون ادخار المال، و 71% من اللبنانيين لم يتخذوا اي تدابير احتياطية لتغطية مصاريفهم المستقبلية و32% دون سن 60 لا يخططون للشيخوخة.

فوائد الادخار

صحيح ان الظروف الحياتية قد تجعل عملية الادخار معقدة للكثير من الناس، اضافة الى التفاوت في نسب الدخل بين الافراد التي قد تسهل العملية للبعض وتصعبها على البعض الآخر.
لكن اذا اخذنا في عين الاعتبار ما اظهرته الاحصائيات عن أن حوالى نصف مدخول العرب يذهب على الطعام فقد يكون الادخار اسهل مما نتوقع.

1- للحالات الطارئة:

الادخار قد يكون صمام امان للمستقبل والقرش الابيض لأي يوم أسود قد تخبئه الايام المقبلة. وهو بالتالي يجنبنا الارباك والمماطلة في معالجة اي مشكلة قد تطرأ من خلال اللجوء السريع الى المدخرات. قد لا نتحكم بالمستقبل لكن بفضل الادخار يمكننا استقباله براحة بال اكبر.

2- للتقاعد

رأينا كيف ان الكثيرين في لبنان والعالم العربي لا يعيرون اهمية للتقاعد ولا يخططون لهذه المرحلة من حياتهم. الحياة لمن يعملون تحمل مشقات لا تعد ولا تحصى فكيف لمن يصبحون عاطلين عن العمل. الادخار خير سند ومعين في هذه الحالة حيث يمكن لمن بلغ سن التقاعد الراحة والاستمتاع بما ادخره طوال سنوات.

3- للاستثمار

من النصائح التي يقدمها كتاب «أغنى رجل في بابل» ألا يسارع المرء الى اكل ثمار ما ادخره قبل ان يتأكد من ان البذور كافية لانتاج الثمار بشكل متواصل. بناء عليه فإن الاموال المدخرة يمكن لمن يجيد استخدامها ان تشكل الركيزة الاساسية لأي استثمار مستقبلي تمكنهم من تأسيس مشروعهم الخاص حتى ولو كان صغيراً او استثمار مدخراتهم في مشاريع موجودة والاستفادة من مردود ثابت

4- للمسكن والتعليم

التجربة السنغافورية خير برهان كيف يمكن للادخار ان يساعد على ان يتملك المرء مسكنه الخاص. وهكذا بإمكان كل شخص ان يدخر بعض المال بقدر استطاعته ريثما يتمكن من تسديد دفعات شقة او منزل خاص. وقد يقوم بهذه المهمة الاهل نيابة عن اطفالهم لتعبيد الطريق لهم.
كما ان الادخار يساعد على تأمين اقساط المدرسة وبإمكان الأولاد وهم في المدرسة ان وجدت الثقافة المناسبة الادخار لتأمين تكاليف دراستهم الجامعية عوض الاتكال فقط على اهاليهم.

5- للعطلات والمرح

لا يمكن للمرء ان يحرم نفسه من الملذات بهدف الادخار. فالادخار ليس دعوة للبخل. ويمكن للاموال المدخرة أن تشكل خزاناً يمكن اللجوء اليه في حال الرغبة بالسفر او القيام برحلة ممتعة او شراء اغراض معينة وطبعاً على ألا يقود الامر الى هدر جنى سنوات من المجهود.