هل بعت صوتك في الانتخابات؟ في حال الإيجاب فما عليك إلا التحسر على جشعك وتسرعك في قبول الرشوة. لماذا؟ لأن مصرف BLC Bank قرر أن يكافئ المواطنين المثاليين الذين قاوموا رغبة بيع ضميرهم من خلال تقديم قروض شخصية لهم تتراوح قيمتها بين 15 ألف و30 ألف و50 ألف دولار أميركي وبلا توطين معاش. عرض لا يصدق. من كان ليتخيل أن المواطن في لبنان سينال تكريماً على حسناته وصبره وترفعه عن المغريات.

الحملة الترويجية للمصرف تصوّر يافطة معلّقة تماماً كاليافطات الانتخابية التي استخدمها المرشحون والأحزاب وكتب عليها «لأنو ما بعت صوتك ولازمك كاش» مع تحديد قيمة المبلغ الممكن اقتراضه وقيمة الدفعة الشهرية.
حسناً. الحملة في أهدافها المبطنة غير الاستهلاكية تحاول الثناء على المواطنين الشريفين، أولئك الذين لم يبيعوا صوتهم. لكن ماذا عن الذين باعوا؟ ألا يستحقون عطفاً من المصرف؟ (في حال افترضنا أن البنك قادر على معرفة من باع نفسه ومن قاوم حتى النفس الأخير). في الإجمال لا يستحلي أحد بيع نفسه، مهما كانت الرشوة جذابة، يبقى هنالك وخزة ضمير، وقليل من الكرامة وعزة النفس، تذكر المرتشي بأنه أغلى من 100 دولار أو 1000 دولار أو «كرتونة إعاشة»، لكنها الحاجة التي وصّفها المصرف بتعبير «لازمك كاش».
كثيرون يلزمهم الكاش وما باعوا ضميرهم. ليس في الأمر بطولة، ولا هم برفضهم بيع صوتهم ادعوا إنجازاً ليستأهلوا عليه التكريم. غيرهم باع، صحيح، فلنحرمهم من فرصة الحصول على قرض لكي يبيعوا أنفسهم مجدداً.
ثم من قال إن في الاقتراض من المصرف بالإجمال، أي مصرف الخلاص. من قال إن نظرة الخجل والاستعطاف والشعور بالضعف لا يشعر بها الكثيرون على كونتوارات المصارف وهم يطلبون قرضاً بسيطاً لتلبية حاجات بسيطة. مهما كانت نية المصرف صافية وتعاطيه مع العملاء متميّزة تبقى الاستدانة استدانة، والعوز عوز. لا يمكن تجميلها مهما جمّلتها الإعلانات. الحقيقة أن ما من مقترض سعيد. صحيح أن القرض يساعد على تلبية حاجة ويساعد على سد نقص معيّن، لكنه ليس هبة. عبئه سيلازم المقترض لمدة طويلة.
قد يقال لكنه «بيزنس». إنها الأعمال. صح. وهكذا تنظر فئات واسعة من اللبنانيين إلى الانتخابات، على أنها أعمال. وهل من دليل أسطع من عدد رجال الأعمال وحيتان المال الذين دخلوا الندوة البرلمانية بعد الانتخابات الأخيرة.
دعونا «نقرش» الموضوع، المرتشي يقبض مرة، يضع المبلغ في جيبه، يسقط الورقة ويصرف ما جناه ولو على بشاعته بلا فائدة وما يحزنون. أما المقترض فيقبض ويضطر إلى إعادة ضعف ما قبضه على مرّ سنوات وعلى مدار كل شهر. وهنا يطرح السؤال الفعلي. ألم يكن من الأجدى لو أن الحملة أطلقت قبل الانتخابات؟ ألم يكن من الأفضل لو ساعدت المصارف الناس على الاقتراض بشكل أسلس بدل أن تضطر لبيع صوتها؟
العيب الحقيقي ليس في الإعلان ولا في الراشي ولا المرتشي. العلّة تكمن في انتخابات ينظر إليها الناس على أنها تجارة، وفي نظام حوّل المواطنين إلى مستهلكين.