شهدت السنوات الأخيرة وتحديداً العقدين الماضيين نمواً لافتاً في ما يعرف بنمط الحياة الإسلامي، الذي يحاول أن يواكب التطورات التكنولوجية والثقافية والعادات الاستهلاكية التي تطبع العصر لكن ضمن إطار يتوافق مع الشريعة. لم تعد كلمة «حلال» تعبر عن مسائل دينية فقط، بل أصبحت مفهوماً اقتصادياً شاملاً يرسخ نفسه أكثر وأكثر في الاقتصاد العالمي في العديد من القطاعات، حيث باتت كبريات الشركات العالمية تتنافس على دخول هذا المجال واستقطاب المستهلكين المسلمين.

وفيما كان أول ما يخطر على البال عند ذكر كلمة «حلال» هو الأكل الحلال، أصبحت مصطلحات كالموضة الحلال، والتمويل الحلال، والألعاب الحلال تفرض نفسها في عالم الأعمال، وتحقق عوائد ضخمة وخاصة السياحة الحلال التي باتت تستحوذ على حوالى 12% من مجمل قطاع السياحة العالمي. تبيّن السياحة الحلال بشكل جليّ كمية الترابط في يومنا هذا بين الدين والاقتصاد بشكل عام. ففيما كانت الضوابط المعيّنة التي تفرضها الشريعة الإسلامية في نواحٍ حياتية عدة تمثل عائقاً أمام العديد من المسلمين وتحرمهم من الاستفادة من الكثير من النشاطات والخدمات السياحية التي لم تكن تتوافق ومعتقداتهم ومتطلبات الدين، أدرك معظم اللاعبين في القطاع السياحي الإمكانيات الهائلة للسوق الإسلامية وبدأوا يقدمون لها خدمات خاصة تلبي احتياجاتها.

ما هي السياحة الحلال؟
على الرغم من النمو المتسارع لمفهوم السياحة الحلال إلا أنه لا يوجد حتى الآن تعريف دقيق وشامل يمكن الاعتماد عليه كمرجع ثابت لحصر هذه السياحة وتحديد ركائزها على مستوى عالمي، وهذا يعود في معظمه إلى حداثة هذا المفهوم. حتى التسمية تعرف تنوعاً، إذ تعتمد بعض المصادر والشركات تسمية السياحة الشرعية، والبعض الآخر السياحة الصديقة للمسلمين أو قطاع الضيافة الحلال. إنما الثابت أن السياحة الحلال لا تشمل رحلات الحج والعمرة وما يرافقها من خدمات فندقية واستهلاكية، كما أنها وإن كانت تتوجه إلى المسلمين إلا أنها ليست حكراً عليهم، إذ إن أي سائح مهما كان انتماؤه الديني يمكنه الاستفادة منها شرط التقيد بضوابطها. وبالتالي فهي ليست سياحة «عنصرية» أو «تمييزية» و «إلغائية» تسعى لفصل المسلمين عن غير المسلمين، بل تهدف فقط إلى تلبية حاجات السائح المسلم الذي يرغب بخوض تجربة سياحية تتوافق ومعتقداته.


وفي الإجمال فإن السياحة الحلال تفترض توافر بعض الخدمات والتسهيلات التي لا يشترط توافرها جميعاً لكي تصنّف السياحة كحلال، خاصة أن الأمر مرتبط أيضاً بمدى تديّن السائح المسلم والتزامه، كون البعض قد يكونون أكثر محافظة ويطلبون خدمات معيّنة، فيما البعض الآخر قد يكتفي بالأساسيات من دون التشدد في طلباته. ومن أبرز متطلبات السياحة الحلال:
- الفنادق الحلال: لكي يصنف الفندق كفندق حلال يجب أن يكون خالياً من الكحول والمشروبات الروحية، ألا يتضمن كازينو وألعاب ميسر، أن يقدم طعاماً حلالاً، أن تتضمن الغرف مصحفاً وسجادة للصلاة وبوصلة تؤشر إلى مكة المكرمة، إضافة إلى ألا تكون الحمامات (البعض يشمل أيضاً الأسرّة) مواجهةً لمكة. كذلك على الفندق الحلال أن يؤمن أماكن خاصة للصلاة، ومرافق ترفيه ومطاعم تفصل ما بين الجنسين (في الحالات الأكثر محافظة)، كما وأن تكون أزياء العاملين في الفندق محتشمة ورصينة.
- المواصلات الحلال: أبرز أنواع المواصلات وأكثرها استخداماً في القطاع السياحي هو الطائرات بطبيعة الحال، وبالتالي يتطلب أن تتضمن الطائرات مساحة مخصصة للصلاة، وألا تقدم على متن رحلاتها الكحول، وأن تكون المجلات والجرائد والبرامج التي تعرض على التلفاز متوافقة مع الإسلام وأن تخلو من أي مضمون شائن.
- الطعام الحلال: بطبيعة الحال يشترط بأي فندق أو مطعم أن يقدم طعام حلال، وألا يقدم مشروبات روحية وبرامج فنية وراقصة...
- برامج الرحلة: على برنامج الرحلة أن يتضمن زيارة إلى مساجد أو إلى معالم تراثية إسلامية (طبعاً قد يصعب تلبية هذا الشرط في بعض الدول الأوروبية وأميركا الشمالية أو اللاتينية ولكنه حتماً ليس شرطاً لاغياً).
كخلاصة يظهر الرسم المرفق تصنيف الاحتياجات التي قد يطلب السياح المسلون توافرها بين الضروري والجيد والمستحسن توافرها.

قوة ...عددية ومادية
عوامل عدة تجعل من المسلمين هدفاً أساسياً ومحورياً للشركات العاملة في قطاع السياحة على أنواعها، من الفنادق إلى المطاعم، فوسائل المواصلات، والترفيه، وشركات السفريات وغيرها. ويعد الإسلام الدين الثاني من حيث الأتباع بعد المسيحية، لكنه الدين الأكثر نمواً ويقدر أن 1 من أربعة أشخاص من حول العالم هو مسلم، مع التوقعات بأن يصير العدد واحد من كل ثلاثة عام 2050.


والبارز وهو أحد المؤشرات الرئيسية التي تهم العاملين في هذا القطاع أن المسلمين هم الأكثر شباباً من بين جميع أتباع الديانات الرئيسية الأخرى، إذ بلغ متوسط عمر المسلمين 24 عاماً عام 2015، وهم بالتالي سيطبعون عالم السياحة والسفر في الأعوام القادمة خاصة أن الطبقة الوسطى المسلمة من حول العالم تشهد نمواً لافتاً وهو ما يترافق مع عادات استهلاكية إضافية وقدرات أكبر على الإنفاق.
في هذا السياق يكشف «مؤشر سفر المسلمين العالمي لعام 2018» الذي تصدره شركتا «ماستركارد» و «CrescentRating» أن أعداد المسافرين المسلمين قفز من 25 مليون مسافر عام 2000 إلى 131 مليون مسافر عام 2017، مع توقعات بأن يصل عددهم إلى 158 مليون مسافر عام 2020. والأهم من أعداد المسافرين هو حجم إنفاقهم الكبير والذي بلغ عام 2016 حوالى 169 مليار دولار، وهو ما يضعهم في المرتبة الثانية بعد الصينيين بحسب تقرير «حال الاقتصاد الإسلامي العالمي لعام 2017/2018» الصادر عن شركة «طومسون رويترز».
حتى في ما يتصل بالمسافرين المسلمين الذين ينتمون إلى جيل الألفية يظهر «تقرير المسافرين المسلمين من جيل الألفية لعام 2017» الصادر عن شركتي |«ماستركارد» و«حلال تريب» أن إنفاقهم مرتفع رغم سنهم، حيث أشار 19% منهم إلى إنفاقهم ما بين 500 إلى 1000 دولار للسكن خلال السفرة الواحدة، بينما قال 17% منهم إنهم ينفقون المبلغ عينه للتبضع خلال الرحلة الواحدة.

أبرز الوجهات... وتقصير لبنان
تربعت ماليزيا على قائمة أفضل الوجهات السياحية للمسافرين المسلمين عام 2018 بحسب «مؤشر سفر المسلمين العالمي لعام 2018» تليها إندونيسيا فالإمارات العربية المتحدة اللتان تشاركتا المركز الثاني، ثم تركيا في المرتبة الرابعة والسعودية في المرتبة الخامسة.
حلّ لبنان في المرتبة 23 عالمياً للسياحة الحلال قبل بنغلادش


لبنان من جهته حلّ في المرتبة 23 عالمياً. وعلى الرغم من أنه صعد 6 مراكز، من المرتبة 29 عام 2017 إلا أنه من الواضح أن لبنان لا يحسن الاستفادة من مقدراته في المجال السياحي خاصة في ما يتعلق بقطاع السياحة الحلال. والمشكلة في هذا المجال تكمن في غياب التسويق اللازم للبنان كوجهة للسياحة الحلال في ظل توافر أغلب متطلبات هذه السياحة فيه من الأساس بحكم تنوعه الديني والثقافي. ففي حين يبقى التوجه الأساس للقائمين على القطاع السياحي في لبنان هو جذب السائح الخليجي المتمكن مادياً، فإن التقصير في الإضاءة على لبنان كوجهة مثالية للسياحة الحلال يفقد لبنان سياحاً آخرين وخاصة من جنوبي شرق آسيا الذين يعدون من أبرز السيّاح الحلال. وإلا فكيف يمكن تبرير أن تسبق دول، كسلطنة بروناي (المرتبة 11) وتايلاندا التي تشتهر بالسياحة الجنسية (المرتبة 16) وكازاخستان (المرتبة 20) وحتى المملكة المتحدة (المرتبة 22)، لبنان؟ تخيلوا أن بنغلادش (وليس في الأمر تصغير للدولة بل مجرد عرض واقعي لمقوماتها السياحية مقارنةً بلبنان) تحل في المرتبة 24، أي مباشرةً خلف بلد الأرز.

* [email protected]