بين عامَي 2012 و2106 أقفل نحو 388 مصنعاً مسجلاً في بلاد الأرز، وهناك حديث عن 23 حالة سيتم إقفالها في الفترة المقبلة. مؤشرات دفعت بجمعية الصناعيين اللبنانيين إلى رفع الصوت مطالبةً بإطلاق إجراءات استثنائية وطارئة لتحفيز قطاع لطالما ساهم في خفض عجز الميزانين التجاري والمدفوعات. ولعلّ أبرزها تحفيز الصادرات ووضع الرسوم على استيراد المنتجات المدعومة خارجياً من دولها والتي ننتج أصنافاً شبيهة بها.


المضحك المبكي تراجع دعم الدولة لصناعتها المحلية. فعلى سبيل المثال، وفي مجال حديد البناء، وعوضاً عن إبقاء خردة الحديد «الاستراتيجية» لاستعمالها محلياً في صناعة السبائك عبر مصنع أنشئ خصيصاً لهذه الغاية في سلعاتا، يتمّ تصديرها الى تركيا ليعاد استيراد حديد البناء من جديد من هذه الأخيرة، علماً بأنّ الدول عادةً لا تُصدّر مواد مماثلة!

رفع الرسوم
يرجع وزير الاقتصاد والتجارة في حكومة تصريف الأعمال رائد خوري أسباب إقفال المصانع الى عوامل عدة؛ منها: المنافسة الخارجية والمصانع غير الشرعية التي ينشئها النازحون السوريون، إضافة الى الحدود المقفلة التي تُعرقل عملية التصدير. برأيه، أن رفع الرسوم الجمركية على بعض السلع المستوردة من الخارج كإجراء حمائيّ، من شأنه مساعدة الصناعة المحلية، ولا سيما مع دول لا تربطنا اتفاقيات اقتصادية بها كمصر وتركيا والصين.
يضيف: «كما يمكن رفع الرسوم الجمركية على سلع تأتي حتى من دول تربطنا اتفاقيات بها في حال ظهور براهين بوجود إغراق معيّن في السوق، ولكن ذلك يحتاج الى آلية وإلى فترة زمنية أطول لإثبات ذلك».

إجراءات سريعة
يُذكّر رئيس جمعية الصناعيين اللبنانيين فادي الجميل بأنّ صادراتنا شكّلت 4.5 مليارات دولار قبل هبوطها وتدنيها المستمرّ، أي أنه في وقت معيّن حصل هذا الإنتاج. من هنا، نستنتج أنّ الطاقات موجودة، لكن المعامل لا تعمل اليوم وفق إمكاناتها المتاحة. لذلك هناك ضرورة لاتخاذ بعض الإجراءات السريعة. ويضيف بأنهم تلقّوا «وعوداً كثيرة بالحلول، لكنها تأخّرت. هناك نية لدى المسؤولين بإيجاد الحلّ، لكن لا يكفي الانتظار. من هنا، ضرورة الإسراع في اتخاذ بعض الإجراءات لإيقاف الانزلاق الحاصل. فأرقام الصادرات في انخفاض مستمرّ. لذلك نناشد المسؤولين وقف الانحدار الحاصل».
تعدّ الصناعات الغذائية والملبوسات والجلود والدباغة أكثر القطاعات تضرراً


وانطلاقاً من كون بعض الإجراءات التي تتخذها الدولة تتطلب وقتاً لتعطي مردوداً مثل موضوع الاستثمار في البنى التحتية، يطالب الجميل بإجراءات ذات مردود سريع مثل المساعدة في أكلاف الشحن والنقل البري من جهة، والطاقة من جهة أخرى. إذ ترزح بعض القطاعات تحت وطأة كلفة طاقة باهظة الثمن تتراوح بين 25 و30% من أسعار المبيعات. ويشدد على ضرورة «معالجة الإغراق من خلال الضوابط ووقف المزاحمة من المصانع غير الشرعية ووقف التهريب».

النفط القادم
عن استعدادات الصناعيين اللبنانيين للاستثمار في قطاع الغاز والنفط المرتقب، يشرح الجميل: «إذا أردنا زيادة القيمة المضافة للغاز والنفط في لبنان، يمكن استعماله إمّا كمادة أولية فننتج سلعاً أساسها الغاز والنفط، أو الاستفادة منه في المنتجات التي تستهلك طاقة كبيرة، فتزيد عندها قدراتنا التنافسية»، مضيفاً: «هناك قطاعات نحتاج اليها عندما يصبح لدينا غاز ونفط. قطاعات تدوير الزجاج والحديد مثلاً لها دور أساسي وهي تعاني من مشكلة أكلاف الطاقة. ونحن اليوم نُقدم على مرحلة جديدة ستسمح لنا بالاستمرار من خلال تأمين الطاقة بسعر متدنّ. علينا إذاً مساعدة هذه القطاعات للحؤول دون إقفالها اليوم. وللأسف، هناك ثلاثة معامل كبرى بصدد الإقفال؛ منها معمل الزجاج الذي قُصف جراء العدوان الإسرائيلي. وتجدر الإشارة إلى أنّ إقفال مصنع مماثل سيرتدّ سلباً على البلد ككل، إذ تنخفض القيمة التنافسية عند استيراد الزجاج من البلدان المجاورة. كذلك الأمر بالنسبة الى قطاعات التدوير التي تحتاج إلى طاقة كبيرة، ما يحتّم مساندتها. ونتكلم هنا عن صندوق يُكلّف بين 30 و40 مليون دولار سنوياً، من شأنه أن يساهم في إنقاذ 5000 إلى 10000 عائلة».

منافسة سورية ومصرية
من جهته، يقول نائب رئيس جمعية الصناعيين جورج نصراوي: «منذ فترة طويلة، تردنا شكاوى كثيرة من الصناعيين، ودرسنا أخيراً 23 ملفاً تشمل العديد من ملاحظات الصناعيين ثمّ قدّمناها الى وزارتَي الصناعة والاقتصاد (في موضوع الإغراق وبعض المشاكل الأخرى في القطاعات الصناعيّة). أخذنا وعوداً ببتّها، لكن لا نتيجة لغاية الساعة. على المسؤولين أن يعلموا أنّ القطاع الصناعي في حالة خطر اليوم، وما من أحد يستجيب للمطالب المقدّمة».
يؤكد نصراوي أنّ مجمل القطاعات الصناعية تعاني من المشاكل. وعن المجالات الأكثر تضرراً، يُعدّد قطاع الصناعات الغذائية والملبوسات وقطاعات الجلود والدباغة التي زالت تقريباً بسبب المنافسة الجديدة. وعن مصدر المنافسة التي ساهمت في توسيع هذه المعضلة، يشير الى المنافسة السورية داخل لبنان وخارجه، إضافة الى المنافسة المصرية نظراً إلى تدني العملة المصرية واتباع سياسة جديدة.
يتابع «نلتزم ونتقيّد بالاتفاقيات التجارية التي وقّعناها مع بعض الدول، بينما الجانب الآخر لا يلتزم بها، ما يسبّب بإغراق السوق اللبنانية ببعض المنتجات (بأسعار متدنية عن أسعار أكلاف الإنتاج المحليّ) وبصرف بعض العمالة في المعامل، إضافة الى التضييق على خطوط الإنتاج. كما أدى إقفال المعابر البرية نحو بعض الأسواق كالعراق والخليج الى ارتفاع أكلاف الشحن وحال دون إمكانية تصديرنا إليها، فتراجعت صادراتنا».
عن الحلول، يقول «من المفترض على الدولة أن تقف الى جانب القطاع الصناعيّ لمعالجة المشاكل الموجودة. ولا بدّ من اعتماد نظام يقوم على دراسة المنتجات الإغراقية لحماية الصناعة المحلية، إذ يتوجّب على الدولة أخذ رسم حماية أو إغراق على أي منتج يدخل الى السوق اللبنانية وينافس السلعة المحلية، لتصبح أكلاف المنتج الداخل الى لبنان مثل أكلاف المنتج المحليّ (رسم تكافؤ)، ويبقى على المستهلك اختيار المنتج الذي يريد».

نبيع ثم نشتري
يُمثّل مصنع الحديد في سلعاتا مثالاً عن المعامل التي أُقفلت خلال السنوات القريبة الماضية. وضع هذا المصنع رأس مال تشغيليّاً كبيراً يفوق 100 مليون دولار وهو مقفل نهائياً اليوم، علماً بأنّ الدولة لم تقدّم له أي إجراءات دعم أو حماية عبر نظام يكفل استمراره وصموده في وجه المنافسة الأجنبية الشرسة، ما أدى الى صرف مئات العمال والموظفين.
يشير رئيس بلدية شكا فرج الله الكفوري، الذي يملك المصنع، الى أنّ هذا الأخير «يستطيع إنتاج 400 ألف طن على الأقلّ، كما نملك مرفأً خاصّاً ومحطة كهرباء خاصة بنا. وللأسف، لم تُقدّم لنا الدولة الحماية المطلوبة، مع العلم أنّه عند إنجاز المصنع، شكّلت الحماية حوالى 15% الى أن أصبحت 5%، وهنا تكمن المشكلة. المصنع جاهز للعمل، لكننا لم نستطع الاستمرار مع أنه المعمل الوحيد المماثل في لبنان. فالتسهيلات الضرائبية لم تطاولنا بالمقارنة مع الموادّ المستوردة».
ويفنّد المشاكل التي عاناها وفقاً للآتي: «نشتري خردة الحديد أو الـ scrap ( وهي مادة استراتيجية للمصانع لا تبيعها عادةً الدولة) ونقوم بتذويبها للقيام بسبائك تتحوّل الى قضبان تُستعمل لاحقاً في البناء. وللأسف، يقومون بإرسال الخردة الى تركيا، مع العلم بأنّ لبنان يستورد حالياً من رومانيا ومن تركيا حديد البناء المعفى تقريباً من الجمارك. لذلك، لا بدّ من الإبقاء على خردة الحديد للمصانع اللبنانية عوضاً عن إرسالها الى تركيا لنتمكّن من صنع السبائك».

* [email protected]