«لا يمكن لأي شركة أن تعتمد بالكامل على مؤسسيها... ولا أحد يستطيع ممارسة مسؤوليات الرئيس والمدير العام إلى الأبد».

بهذه الكلمات، أعلن أمس المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة «علي بابا» الصينيّة للتجارة الإلكترونية «جاك ما» نيته التقاعد العام المقبل من منصبه، والعمل خلال هذه المدة على تحضير خلافته لإتاحة الفرصة أمام الكفاءات الشابة لتسلّم زمام القيادة.
في يوم ميلاده الـ 54، قرر أغنى رجل في الصين، والذي تقدر ثروته بحوالى 40 مليار دولار أن الوقت حان ليسلم شعلة الشركة لجيل جديد، بعدما نجح في تحويلها من صفحة بسيطة على الإنترنت أبصرت النور من شقته عام 1999 إلى واحدة من أضخم الشركات في العالم، حيث بلغت قيمتها في بورصة نيويورك 420 مليار دولار أميركي.
خطوة «ما» أثارت دهشة العالم بأسره. فكيف لرجلٍ في عز عطائه ونجاحه أن يقدم على خطوة مماثلة؟ لكن من منظار لبناني، فالأمر مثير للسخرية. لا يلام الرجل إن كان غير مطّلع على «المعجزة اللبنانية»، لذلك ندعوه إلى إعادة التفكير بما قاله وإعادة صياغة جملته بالشكل الآتي: «لا يمكن لأي شركة أن تعتمد بالكامل على مؤسسيها...ولا أحد يستطيع ممارسة مسؤوليات الرئيس والمدير العام إلى الأبد»...إلا في لبنان.
سيد «ما». لا شك لدينا بحسن نياتك، ومؤهلاتك الإدارية، لكن نرجوك عدم التعميم. ففي بلادي مسؤولونا لا يعرفون الاسترخاء. لا يكلّون ولا يملّون. نرجوهم التقاعد، أخذ قسط من الراحة، لكنهم مصرون على التضحية بكل شيء من أجلنا. يجهدون أنفسهم لكي نرتاح، وحتى حين توافيهم المنيّة يبقون «أحياء فينا».
عزيزي السيد «ما»، إن كانت «أي شركة لا يمكنها أن تعتمد بالكامل على مؤسسيها»، ففي هذه البقعة الصغيرة على ضفاف المتوسط بلد لا يجيد سوى الاعتماد على مؤسسيه. في ربوعنا شعب يضلّ من دون ملهميه وقادته. عميان نحن، نبصر من أعينهم. منهم تعلمنا الصمود والأمل. قد يفشلون، في الواقع، لا يعرفون إلا الفشل، لكنهم لا يستسلمون. يظلّون يحاولون ويحاولون ويحاولون...ليفشلوا عن جدارة، لكننا معجبون بإصرارهم وعزيمتهم. إن كنت لا تعرفنا جيداً، فنحن أمة يمكن تعريفها بأمة «الفرصة الثانية والثالثة والرابعة»...أمة تؤمن بأن «العمل النظيف يحتاج إلى وقت». لا نريد بضاعة صينية سريعة التلف.
ها أنت تبلغنا عن نيتك تحضير خلافتك خلال مدة عام. جميل. لكن ما بالك لو أخبرتك أنك متأخر عصوراً عنا. هنا الخلافة جاهزة منذ الولادة. لا تحتاج إلى تجهيز وخبرة وتحضير. تأتي عالمة بالفطرة، متمرسة وتنتقل إليها المعرفة بالـ DNA. أما باقي الشعب المسكين فله أن يتلهى بهذه المؤسسات البائدة التي تعرف باسم الجامعات والمدارس التي أقصى ما بإمكانها فعله هي تجهيزه لأن يكون موظفاً مطيعاً للطفل المعجزة حين يكبر.
يا «جاك»، لا تيأس أو تشعر بأي نقص، فإنني أحمل إليك خبراً ساراً. نحن نكمل بعضنا البعض. نعم، أنت في حاجتنا من حيث لا تدري، فإن كنت أنت من أسس «علي بابا»...فنحن من نملك الأربعين لصاً لكي تكتمل فصول القصة...