في لبنان يحتالون في الأسعار()
تناسى التجار أنه حتى ولو أن للجمعة الأسود موعداً ثابتاً يتكرر كل عام، فإن تحضيرات المستهلكين لها تبدأ قبل أشهر من خلال الرصد والمتابعة وتسجيل ما يعجبهم من المنتجات والملابس والمفروشات والأدوات المنزلية والكهربائية، بانتظار يوم التخفيضات ليعودوا ويشتروها بسعر أرخص. هذا بالضبط ما جرى مع مواطنة يوم أمس نشرت صورة لغسالة ــــ نشافة عبر وسائل التواصل الاجتماعي كانت قد التقطتها في شهر أيار المنصرم ويظهر فيها أن سعر الآلة حينها كان 1279 دولاراً أميركياً. بعد الرصد، قصدت السيدة المتجر خلال عروضات الجمعة الأسود، والتي وللمفارقة يفاخر المتجر بأنه أول من أطلقها في لبنان، لتفاجأ بملصق على الغسالة ــــ النشافة عينها (تظهر الصورة تطابقاً تاماً في توصيف الآلة ومكوناتها) حيث كتب أن سعرها القديم هو 1520 دولاراً، وأن السعر بعد الحسومات «الخيالية» أصبح 1369 دولاراً أميركياً، أي بزيادة 90 دولاراً.

منذ أسبوع، نشرت شركة «Home Products and Services» دراسة أظهرت أن «أغلبية المنتجات التي تعرض في الجمعة الأسود» يكون سعرها أرخص بكثير في أوقات أخرى من السنة». تمام، إذاً المشكلة عالميّة ولا داعي للتركيز على التجار في لبنان، ما دامت هذه السلوكيات عادة يشتركون فيها ونظراءهم من حول العالم. لكن لنتريث قليلاً. قد يكون بإمكان باقي التجار أينما وجدوا التلهي بهذه «التنصيبات» التي كما يبدو لا تنطلي على أحد، لكن هل حقاً يملك التاجر اللبناني هذه الرفاهية؟ وهل كان ينقص بعض المتاجر الضخمة والعريقة في لبنان فقدان صدقيتهم بالمطلق لتضاف إلى الحالة المادية المتردية عند المواطنين غير القادرين على التسوق أساساً؟
هكذا إذاً ضجت وسائل التواصل الاجتماعي بحكايا المستهلكين وهم يكشفون من خلال الفيديوات والصور عمليات النصب والاحتيال العلنية التي قامت بها بعض المتاجر في لبنان. مقولة الرئيس صائب سلام الشهيرة «لا غالب ولا مغلوب» لا مكان لها في قاموس الكثير من التجار في لبنان، إذ لا بد من أن يكون المواطن مغلوباً على الدوام. إنما ولسوء حظ الجشعين من التجار، فإنهم سقطوا في الحفرة التي حفروها، أقله هذا ما تشي به حركة السير والطرقات هذا العام مقارنةً بالعام الماضي، حيث يتبين أن الناس لم يعودوا يقبضون رواية الحسومات على محمل الجد. أضف إلى ذلك أن «المشوار» إلى تركيا يستغرق وقتاً أقل من «السفرة» بين جونية وبيروت، وتكلفة التسوق هنالك أرخص من قيمة عشاء في مطعم متوسط الرفاهية في بيروت. كذلك دعونا لا ننسى تنامي ظاهرة التسوق الإلكتروني في لبنان، مع تزايد أعداد اللبنانيين النشطين على موقع «علي بابا» الصيني وتفضيلهم التسوق من خلاله، على أن تذهب أموالهم «للأربعين حرامي» في لبنان.

ضجت وسائل التواصل الاجتماعي بحكايا المستهلكين وهم يكشفون عمليات النصب والاحتيال في لبنان


كلما أغلقت مؤسسة في لبنان، وأعدادها تتكاثر وإلى ازدياد، سمعنا الأسطوانة ذاتها عن الوضع الاقتصادي العام، وانعكاس الأزمات السياسية المحلية والإقليمية على لبنان، لكن لم نسمع يوماً اتهاماً صريحاً لبعض التجار بالجشع، والنهم، والجوع وانعدام الضمير والمسؤولية، وبأن سلوكياتهم هي من أوصلتهم إلى ما وصلوا إليه.

* [email protected]