قاتمةٌ هي تلك السوق التي تتمُّ فيها المتاجرة من تحت الطاولة بأساليب غير سويَّة، لما فيه ظلمٌ للشاري المحكوم عليه بإنفاق أسعارٍ زائدة ولعارض الطلب الذي يصير بدوره مطلوبًا، مخالفًا، مختلسًا، ولا يستكين إلا متى عاين الختم بالشمع الأحمر وواجه القضاء وقدره، إلَّا إذا... وليس غريبًا أن يرى لبنان نفسه ساحةً مفتوحةً للتجارة السوداء، وقد تمثل أحد وجوهها أخيرًا بسعر صرف الليرة في مقابل الدولار. لكنَّ الغريب أن تصير أمور السوق هذه علنيَّةً، إذ ينتقل أرباب السوق السوداء إلى المجاهرة بإعلانات تحفيزية من كل حدبٍ وصوب، وكأن لا حسيب أو رقيب.

بعدما أتت شركة فيليب موريس العالمية بابتكارٍ أقلُّ ما يقال فيه إنه ثورةٌ في التكنولوجيا، أبصر جهاز IQOS النور وفرض نفسه كبديلٍ من التدخين، مجتاحًا الأسواق التي وصل عددها اليوم إلى 48 بلدًا، وإن لم يكن خاليًا تمامًا من المخاطر. فتسخين التبغ بدلًا من حرقه يتمُّ حتى 350 درجة مئوية بواسطة جهازٍ يولِّد بخارًا يحتوي على النيكوتين، مع إصدار كميَّاتٍ أقل من المواد الكيميائية الضارة بنسبة 95%، مقارنةً بدخان السجائر، ومن دون اختلافٍ كبير من حيث المذاق، وبرائحةٍ أقلّ بكثير، ثَبُتَ أنها غير مزعجة ولا تلتصق بالملابس والشعر والأثاث... إلا أن هذا لا يعادل بالضرورة انخفاضاً في المخاطر بنسبة معدّلها 95%. فجهاز IQOS ليس خالياً من المخاطر، كما ذكرنا.
وبينما تقدِّر الشركة عدد مستخدمي IQOS في لبنان بما بين خمسة آلاف وستة آلاف، وفي العالم بأكثر من عشرة ملايين مستخدم، إلا أنه يبقى سلعةً غير متوافرةٍ ضمن الأراضي اللبنانية، ولا يمكن الشاري بالتالي الإفادة من الكفالة التي تقدمها إليه الشركة مدة عام، فتستبدل جهازه بآخر في حال تعطله. هي حال "هيتس" HEETS أيضًا، لفائف التبغ التي تتم تحميتها في أنبوب التسخين الإلكتروني IQOS، والمتوافرة والأنبوب في السوق الحرة في مطار بيروت. فإلى الضرر اللاحق بالشاري في السوق السوداء، خساراتٌ بالجملة تُحتسب إن للعلامة التجارية التي يتمُّ الإتجار بها خلسةً وإن للدولة التي تخسر من مجموع الضرائب التي تستوفيها من الجمارك ومصلحة الضريبة على القيمة المضافة، في انتظار توقيع حكوميّ...
على الرغم من أن IQOS غير خالٍ من الضرر ولا يؤمِّن بالضرورة انخفاضًا في المخاطر بنسبة 95%، إلا أنه حائزٌ ما يفوق 4600 براءة اختراع بعدما أمضت الشركة خمسة عشر عامًا في الأبحاث والتجارب وأنفقت أكثر من ستة مليارات دولار منذ العام 2008 لتصل إلى الصيغة التي يتميَّز بها IQOS اليوم، فضلًا عن IQOS 3 وIQOS 3 MULTI اللذين طرحتهما "فيليب موريس" أخيرًا، كنسختَين مستحدثتَين عن الجهاز الأساس.
وفي حين ترتئي الشركة أن يتحوَّل 40 مليون مدخن إلى استخدام أجهزةٍ كمثل IQOS بحلول العام 2025، قامت دول العالم الكبرى بإقرار استخدام IQOS، فيما اعتبرته إدارة الغذاء والدواء في الولايات المتحدة أنه حلٌّ ناجع وبديل أقل ضررًا للمدخنين بعدما درست الملف قرابة عامين ونصف العام، معطيةً بذلك موافقتها الأولى على منتوجٍ متعلقٍ بالتبغ، وبالتالي أجازت بيعه في البلاد. وأعلنت الولايات المتحدة كذلك أن النيكوتين ليس المسبب الرئيس للسرطان ولأمراض الرئتين والقلب، شأنها شأن نيوزلندا وإيسلندا وإيطاليا والاتحاد الأوروبي وبريطانيا، وكلٍّ من وزارتَي الصحة في ألمانيا واليابان حديثًا، على اعتبار الأجهزة العاملة على البخار بدلًا من الدخان حلًّا مشروعًا، وإن كان لا يخلو من المخاطر.
أمَّا في لبنان، ولجهة تشريع استخدام باكورة شركة "فيليب موريس"، فتنسّق الشركة مع إدارة حصر التبغ والتنباك (الريجي) في ما يتعلّق بمسألة استيراد الجهاز والإتجار به ضمن الأراضي اللبنانية.
لن يكون هذا هو التعاون الأول بين الدولة اللبنانية و"فيليب موريس"، إذ سبق أن وقعت الشركة مذكرة تفاهم العام 2007 مع إدارة الجمارك و"الريجي" لمكافحة تهريب السجائر وتزويرها لما فيه من مراعاةٍ لأحكام القوانين والأنظمة اللبنانية. وهدفَ الاتفاق إلى تفعيل أعمال مكافحة التهريب والتزييف وتطويرها، واضعًا أسس التخلص من المواد التبغية المغشوشة مع المحافظة على البيئة والسلامة العامة.
إذًا، توقيعٌ فتشريعٌ فتقليل من الأزمات المرضيَّة التي يخلفها التدخين والتي تتكبد الدولة تكاليفها في كثيرٍ من الأحيان، من خلال إنفاقات الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي ووزارة الصحة.
لعلَّ السوق السوداء تفكُّ عنها لون الحداد، فيصير مستخدمو IQOSالساعون إلى الابتعاد عن السجائر يتكبدون خسائر مادية أقل، وخزينة الدولة تدرُّ أموالًا أكثر.
(هذا المقال مدفوع من قبَل شركة فيليب موريس)