كانت بداية مستشفى الرسول «من نقطة الصفر»، يقول بشير. يومذاك، كان الهاجس الأساس لأصحاب الفكرة ــ مؤسّسة الشهيد ــ التفكير في ما يمكن أن يفعلوه لإسعاف المصابين، فكانت البداية مع إنشاء مستوصف يساعد على الأقل في «الحدّ من خسارة الجرحى وتأمين الإسعافات الأوّلية لهم»، بدأ العمل مع مجموعة من الأطباء وضعوا خبراتهم الطبية لبلسمة جراح الناس التي تسبّب بها العدو الأسرائيلي.

عام 1988 نشأ مستشفى الرسول الأعظم، وقد تطلّب الأمر الكثير من التضحيات وصولاً إلى عام 2019، ولا «يزال التحدّي مستمراً»، وفقاً لبشير. في عام 1983، بدأ التفكير الجدي في ما يمكن فعله في مواجهة الحصار. وكانت بدايات العمل المقاوم في وجه العدوّ الإسرائيلي الذي كان من نتائجه سقوط الكثير من الجرحى والشهداء، وكان المستشفى قد بدأ بتقديم الخدمات الطبية لهم ولعوائلهم من خلال المستوصف الذي تحوّل في عام 1988 إلى مستشفى ميداني بعد الاستحصال على الترخيص اللازم. كانت نقطة الانطلاق بطابق واحد يحتوي على 14 سريراً وغرفتَي عمليات. شيئاً فشيئاً، أصبحت الحاجة أكبر إلى تقديم خدمات طبية في الاختصاصات كافة. وبعد تلك السنوات من الطوارئ، تيقّن المعنيون من أن فكرة المستشفى خرجت من كونها «مجرّد ردّ فعل على القصف»، وإنما هي مشروع ضروريّ و«حاجة أساسية للناس الذين يعانون من الحرمان المزمن ويفتقدون لأبسط الحقوق البديهية»، بحسب بشير.
كبُر المستشفى وزادت الخدمات فيه، وأصبحت الحاجة إليه أكبر. هكذا، صارت المعادلة من 14 سريراً إلى 140.

من 14 سريراً إلى 160
في عام 1990، بدأ «الحلم يتحقّق»، يشير بشير. فعقب انتهاء الحرب، وُضعت اللمسات الأخيرة على الخرائط النهائيّة للمستشفى، وبدأ العمل على بناء الطبقات تدريجياً، إلى أن صار المستشفى أربع طبقات. كان أول قسمٍ يُضاف إلى ما كان موجوداً قسم الجراحة العامة والاستشفاء. تلاه في عام 1992، قسم الأطفال الذي توسّع في مراحل لاحقة.
في عام 1994، وصل عدد الأسرّة في المستشفى إلى 100 سرير. كان «هذا الإنجاز الأول»، والذي دفع المعنيّين إلى التوسعة أكثر، وتلبية حاجاتٍ صارت ضرورية، فكان في عام 1996، افتتاح قسم الطبابة النسائية ومن ثم قسم جراحة العظم وتوسيع قسم الجراحة العامة.
مع مطلع الألفية الثالثة، كان واضحاً إلى «أين نحن ذاهبون». من هنا، «أخذنا القرار بالتوسعة وافتتاح أقسام أخرى». شُيّدت الطبقة الرابعة وصار عدد الأسرة 140 سريراً. ومع هذه التوسعة، سُمّي مستشفى الرسول «مستشفى عاماً»، ثم انتهى «إلى شكله الحالي في عام 2001»، وصار يضم 160 سريراً.

التغيير النوعي
مع حلول عام 2004، كان المستشفى يضم «6 غرف للعمليات وقسماً للعناية بالخدج وحديثي الولادة وقسماً للعناية الفائقة وقسماً لتمييل القلب».
مع افتتاح القسم الأخير ـ تمييل القلب ـ اكتشف القيّمون على المستشفى أن ثمة حاجة لتطوير فكرة عمليات القلب «وكان قد أصبح لدينا جراحة مهمة، وكانت يومها جراحة القلب قصة كبيرة». لم يطُل التفكير طويلاً، حتى وُلد قسم «جراحة القلب المفتوح في كانون الأول من عام 2004». وكان هذا الإنجاز الثاني والأهم «الذي حوّل المستشفى إلى أكبر المستشفيات في البلاد»، بحسب بشير. من هنا، كان التفكير السريع «بأن نتوسّع أكثر في الحجم»، إلى أن جاءت حرب تموز من عام 2006. ففي عزّ تلك الحرب، «كنا ندرس خرائط لإنشاء مستشفى للقلب». كان مشروعاً طموحاً، إلا أن مستشفى الرسول استطاع أن يحققه، وبعد ثلاث سنوات (عام 2009)، كان افتتاح «مركز بيروت للقلب» الذي يعدّ من أهم المراكز المتخصّصة في جراحة القلب في لبنان والوطن العربي، فهو الذي ساهم في هذه النقلة النوعية للمستشفى». وفي هذا الشق بالذات، يمكن الحديث عن «نقلة» كمّية أيضاً، إذ أن عدد العمليات المتعلقة بالقلب التي يجريها المستشفى يساوي «مجموع ما تقوم به المستشفيات التي تُجري عمليات قلب». وبالأرقام، يُجري مركز بيروت للقلب «1200 عملية سنوياً».


يسترجع بشير البدايات في مركز بيروت للقلب. فهذا المركز كان يحتاج إلى دعم كي يصبح واقعاً. يومها «اقترحنا إنشاء لجنة تبرّعات من الخيّرين المتمولين، غير أن الفكرة قوبلت برفض الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله، قائلاً: «خذوا مليون دولار ـ تقدمة من حزب الله ـ وانسوا فكرة المتمولين»». هكذا، كانت المليون التي اقترحها السيد حسن نصر الله والتي لم يتلقَّ غيرها المركز هي بداية الركيزة في مركز بيروت للقلب الذي يحوي اليوم 110 أسرّة، بالإضافة إلى صندوق الإمام الخميني لمساعدة الفقراء.
في جعبة مركز بيروت للقلب الآلاف من عمليات القلب، لكنها ليست كل رصيده، ومنها مثلاً «عملية تغيير صمام القلب بتقنية tavi«النوعية» ومنها زراعة القلب الطبيعي «حيث أجرى المركز 4 عمليات»، وعمليات القلب الصناعي «حيث زُرع إلى الآن 76 قلباً اصطناعياً». وهي عمليات مُكلفة لا تتحمّلها الجهات الضامنة، وهذه مشكلة يواجهها المركز. ويكشف بشير إلى أنه «بالنسبة إلى عمليات القلب الاصطناعي عادة لا تدفع وزارة الصحة تكاليفها، على اعتبار أنها عملية جديدة». أما الآن، وقد «مضى 8 سنوات منذ بدء إجراء تلك العملية»، فمن الضروري أن تعيد وزارة الصحة حساباتها في دعم تلك العمليات. كذلك ما تعترف به الجهات الضامنة الأخرى، فنسبة ضئيلة جداً جداً.
ثمة مشكلة أخرى غير التكاليف، وهي مشكلة التبرّع بالأعضاء «التي نواجهها في عمليات زراعة القلب الطبيعي».
عدد العمليات المتعلقة بالقلب التي يجريها المستشفى يساوي «مجموع ما تقوم به المستشفيات التي تُجري عمليات قلب»


ولأن هدفنا الأساسي كان خدمة أهلنا وناسنا، تم إنشاء مركز جراحة الكبد وزرع الأعضاء في عام 2018، خاصة أن زراعة الكبد مكلفة جداً ومن الصعب تأمين متبرعين أيضاً. هذا المركز نشأ بالروحية نفسها «لنشوء مركز بيروت للقلب، حيث كان الإحساس الدائم لدينا بمواكبة ما يحصل في العالم من إنجازات». وكذلك تم تدريب أطباء وجرّاحي المركز في مدينة شيراز الإيرنية، وهي من أهم المراكز الطبية على صعيد العالم التي تنفّذ عمليات زرع الأعضاء». اليوم، وبعد ما يقرب من عامين على الافتتاح، أجرى المركز «14 عملية زرع كبد، و14 عملية زرع كُلى»، وتجرى هذه العمليات حالياً من خلال الأطباء المتخصّصين في المستشفى وبإشراف فريق طبي إيراني، وكل ذلك يترتّب عليه تكلفة مالية عالية جداً يقوم المستشفى بتغطيتها مجاناً في ظلّ الأزمة الاقتصادية التي يعاني منها أهلنا وناسنا، ويبقى الأمر الأصعب هو تأمين متبرّع في ظلّ غياب ثقافة وهب الأعضاء عند الكثير من الناس. وهنا، يأتي دور جمعية «من أحياها» التي تم تأسيسها من قبل مستشفى الرسول الأعظم لهذا الهدف، وهو نشر ثقافة وهب الأعضاء لأنها ثقافة عطاء وحياة. وتعمد الجمعية إلى تنفيذ العديد من المحاضرات في هذا الخصوص ضمن المجتمع المحلّي لعلّنا نخدم المرضى أكثر في هذا المجال.
وما زال مستشفى الرسول الأعظم إلى جانب أهله، لذلك عمد إلى زيادة الأسرّة التي ستصبح مع بداية عام 2021 (330 سريراً)، أما بالنسبة إلى المشاريع المستقبلية سيجري إنشاءُ مركز متخصّص بأمراض السرطان، وذلك في محاولة تخفيف آلام الناس. وكذلك نحن مستمرّون في العمل الدؤوب والخدمة الطبية الأفضل لمرضانا الأعزاء.