لبنان غير جذّاب لممارسة الأعمال... ونقطة على السطر. انعدام الجاذبية ليس على النطاق العالمي، بل على نطاق الأسواق الناشئة. ويمكننا الاستخلاص بسهولة أنه إذا كان لبنان يحتل المراتب الأخيرة في هذه الأسواق، فإن الطريق لا يزال طويلاً جداً أمامه للوصول إلى مستويات الدول المتقدمة. الانحدار شامل ولا يبدو أن المكابح الباقية للاقتصاد اللبناني الهشّ بإمكانها فرملة هذه الاندفاعة السريعة نحو الهاوية.

في الكثير من الأحيان، حجب الحقيقة قد يكون له فوائد جمة. لكن التغاضي عن واقع لبنان الاقتصادي ما عاد ينفع، ولم يعد الكلام المنمّق والوعود اليوتوبية ذات فائدة ترتجى. أن تسبق لبنان دول كنا نتخيل أنها بعيدة عنّا مسافة سنوات ضوئية من حيث التطور والتمدن، فهذه صفعة كفيلة بإيقاظنا من السبات العميق الذي نغطّ فيه. لنا أن نتخدر فرحاً بذكريات "سويسرا الشرق"، لكن أن تسبقنا أوغندا وكمبوديا، وحتى ليبيا الغارقة في الفوضى والإرهاب والفلتان الأمني، فهذا أسطع دليل على أن سويسرا لم تكن يوماً بعيدة عن لبنان عمّا هي عليه اليوم.

لبنان إلى الوراء... سر

بحسب مؤشر شركة "أجيليتي" للخدمات اللوجستية في الأسواق الناشئة لعام 2016، الذي صنف 45 دولة من الأسواق الناشئة بناءً على ثلاثة مقاييس هي: حجم السوق، وظروف مزاولة العمل فيها وبنيتها التحتية، إضافة إلى عوامل أخرى مؤثرة، كمدى جاذبية السوق لشركات الشحن ومزودي الخدمات اللوجستية ومقدمي النقل والتوزيع في العالم، احتل لبنان المرتبة 42 من أصل 45 دولة في المؤشر العام، مسجلاً 3.43 نقاط على المؤشر، مقارنة بـ 3.56 نقطة عام 2015، متفوقاً على أوغندا وكمبوديا وكينيا...
الكارثي أنه بمعيار حجم السوق وجاذبية النمو الذي يشمل ناتج البلد الاقتصادي ومعدلات النمو المرتقبة والاستقرار الاقتصادي وحجم السكان، حلّ لبنان، بكل فخر، في المرتبة الأخيرة. أما على مستوى سهولة الأعمال الذي يشمل مدى سهولة الأعمال بالنسبة إلى الشركات الأجنبية وقدرتها على التعامل مع البيروقراطية الموجودة والأنظمة والقوانين المعتمدة، والمخاطر التي قد تعترض عملها من حيث السرقة والقرصنة والإرهاب وتدفق الاستثمارات الاجنبية، فقد حل لبنان في المرتبة 33.

أوغندا وكمبوديا وحتى ليبيا تسبق لبنان في ممارسة الأعمال

أما غير المستغرب والمتوقع، فيكمن في مجال البنية التحتية. الإيجابي الوحيد قد يكون اعتبار الخبراء أنه توجد في الأساس بنية تحتية تستأهل الدراسة. فعلى معيار البنية التحتية ووسائط النقل وكفاءة الأداء الجمركي، حل لبنان في المرتبة 37، متراجعاً 5 مراكز عن عام 2015.

سلبيات وإيجابيات

على صعيد المؤشر العام شهد معظم الدول العربية التي شملها التقرير هبوطاً في الترتيب، إلا أن الإيجابي يمكن تلمسه في مدى سهولة الأعمال، حيث سجلت بعض الدول العربية نتائج باهرة. الإمارات العربية المتحدة حلت في المرتبة الثانية في المؤشر العام، خلف الصين مباشرة، رغم الفروقات الهائلة بين البلدين من حيث حجم الاقتصاد والإمكانات وعدد السكان، متقدمة 4 مراكز مقارنة بعام 2015.
أما باقي الدول العربية التي شملها التقرير، وهي إضافة إلى الإمارات ولبنان: المملكة العربية السعودية، قطر، عمان، المغرب، الكويت، مصر، البحرين، الجزائر، الأردن، تونس وليبيا، فالجامع بينها هو الهبوط على مستوى المؤشر العام، باستثناء مصر التي سجلت تقدماً هائلاً، متقدمة 10 مراكز إلى المركز 22، والجزائر التي قفزت 4 مراكز لتحتل المركز 30، فيما حافظت قطر والكويت على مركزيهما الـ 12 و21 على التوالي. وتراجعت السعودية 3 مراكز في المؤشر العام لتحتل المرتبة الخامسة، وعمان مرتبة واحدة إلى المركز 14، والمغرب 3 مراكز إلى المرتبة 20، والبحرين مركزين إلى المرتبة 26. أما الأردن الذي احتل المرتبة 33 فتراجع 4 مراكز، وتراجعت تونس مرتبة واحدة إلى المركز 36، وليبيا مرتبة واحدة إلى المركز 41.
أما بالنسبة إلى معيار سهولة ممارسة الأعمال، فكانت للدول العربية حصة الأسد مع حلول 4 دول عربية ضمن أفضل 5 دول، و5 دول عربية ضمن أفضل 10 دول. في هذا السياق، احتلت الإمارات العربية المتحدة المرتبة الأولى عالمياً، تليها قطر وعمان، فيما حلت السعودية في المرتبة 5. الدولة الوحيدة التي خرقت هيمنت العرب على المراكز الخمس الأولى، هي كازاخستان التي قفزت 6 مراكز لتحتل المرتبة 4. الكويت تقدمت 3 مراكز لتدخل المراكز العشرة الأولى، محتلة المرتبة 9.
اللافت كان الهبوط الحاد لكل من المغرب والأردن اللذين كانا من ضمن الدول العشر الأفضل لممارسة الأعمال، مع تراجع المغرب 6 مراكز إلى المرتبة 13 والأردن 9 مراكز إلى المرتبة 17.
لم يكن لبنان بحاجة ماسة لأكبر جاط حمص وتبولة ليعود إلى تبوّء المراتب الأولى عالمياً. أين الطحين؟