الاصلاح مهم. الاهم كيفية حصوله. "الالتيكو" قد يفيد لمعالجة بعض التشققات والكسور، لكنه في حالات معينة قد يتسبب بأضرار تفوق الضرر الاساسي جسامة. بين مهزلة اصلاح قناع الفرعون الشهير توت عنخ أمون وكوميديا الاصلاح ومحاربة الفساد في لبنان، رابط يجمعه "الالتيكو". اكثر من 3300 سنة مرت على توت عنخ أمون، ولكن ظله حاضر في الواقع السياسي اللبناني.

الاصلاح كمبدأ لا يختلف عليه شخصان. لكن له وجوهاً عدة تختلف باختلاف "الاصلاحيين" ومصالحهم. توت عنخ أمون خلف أخناتون. أخناتون قاد ثورة اصلاحية محاولاً توحيد آلهة مصر القديمة خلف الاله أتون. اصلاح اخناتون لم يعجب "المستفيدين" من الواقع القديم وبخاصة الكهنة، فقاد هؤلاء بعد وفاته، من خلال توت عنخ أمون، "اصلاحا" يرضيهم اعادوا من خلاله عقارب الساعة الى الوراء.
الموضوع شائك اذاً. "اصلاح" اخناتون في نظر الكهنة كان "فسادا" وهرطقة، واصلاح توت عنخ امون لاتباع أخناتون لا يخرج عن اطار الفساد والهرطقة. ولأن التاريخ يكتبه المنتصرون فهذه هي حال الاصلاح، يتشكل بحسب هوية المنتصرين.
"الاصلاح" في لبنان توت عنخ اموني اكثر منه اخناتوني. لا يهدف الى اقامة ثورة جذرية، بل الى "اصلاح" وترميم المصالح التي قد تتضرر. لذلك من غير المستغرب ان يحل لبنان في المراكز الاخيرة عالمياً من حيث مكافحة الفساد.
بحسب مؤشر مدركات الفساد 2015 الصادر عن منظمة الشفافية الدولية، والذي يعتبر من أهم المؤشرات العالمية التي تقيس مستويات إدراك الفساد في القطاع العام، ومن اصل 168 دولة شملها التقرير، حل لبنان في المرتبة 123، متشاركاً مركزه المرموق مع 6 دول اخرى.
اللافت في التقرير ان المراكز لا تحترم التراتبية الرقمية، وبالتالي يقفز المؤشر على سبيل المثال من المركز 123 الى المركز 130 مباشرة. وبناء على هذه الوثبات النوعية، ولأن دولا عدة قد تتشارك المركز عينه، يتبين لنا ان ما بين مركز لبنان والمركز الاخير الذي يحتله الصومال... 15 مركزاً فقط.
يقيس المؤشر مدركات الفساد من 0 الى 100. كلما اقتربت الدولة من النقطة 100 كلما كانت اقل فساداً. لبنان اكتفى بجمع 28 نقطة. اذا اردنا ان نكون متفائلين نقول اننا قطعنا ربع الطريق وتبقى لنا ثلاثة ارباع المسافة. اما متى قد نجتاز ما تبقى من درب مكافحة الفساد، فهذه مسألة اخرى قد يعجز العلم عن الاجابة عليها.
ولان مصائب قوم عند قوم فوائد، فان الويلات التي تعيشها بعض الدول العربية، يستفيد منها لبنان على صعيد المراكز، مع تقدمه ــــ وعن جدارة! ــــ على الصومال والسودان وليبيا والعراق واليمن وسوريا، وهي دول للاسف اقل ما يقال عنها انها تصارع لتبقي على ما تبقى من مكوّنات الدولة، فكيف بمحاربة الفساد.
لكن الحق يقال. فتطور لبنان على صعيد مكافحة الفساد ملحوظ ويستوجب شكر القيمين والاصلاحيين، إذ انه تقدم من المركز 27 عام 2014 الى المركز 28 عام 2015. قد يبدو لبعض المتشائمين ان التطور بطيء، لكنه يسير بخطى ثابتة!
بالعودة الى توت عنخ امون، فان ذقن القناع الشهير للفرعون تعرضت للكسر أثناء تنظيفها في آب 2014، وتم ترميمها ولصقها بشكل خاطئ، باستخدام مادة "الإيبوكسي" ما أدى الى تشويهها. وعندما حاولت إدارة الترميم تدارك الأمر وترميم القناع مرة أخرى، جرى استخدام مشرط ما ألحق به خدوشاً وتلفاً. نية "المهملين" كانت اصلاحية، لكن نتائجها كانت كارثية. فاصلاح تحفة اثرية بهذه الاهمية يخضع لمعايير مهنية وعلمية دقيقة. وعلى المنوال نفسه، تتم معالجة الفساد في لبنان باستخدام "الإيبوكسي"، وعند تفجّر الفضيحة يتم وكالعادة معاقبة الفئران... فيما تسرح الهررة وتمرح...