لأكبر القطاعات الاقتصادية «المعلنة» في لبنان توجه جديد في التعاطي مع الإعلام. هذا ما يؤكده مقربون من صنّاع القرار في «جمعية المصارف في لبنان»، وهو ما بدا جدّياً في الخطوة النادرة التي اتخذتها الجمعية قبل أيام، وتمثلت بلقاء موسّع مع أصحاب القرار في قطاعي الإعلام والإعلان في لبنان.

ما الجديد؟ ولماذا التغيير الآن؟ سؤالان بديهيان.

فجأة وجدت المصارف في البلد نفسها في مواجهة «الرأي العام». بحق أم بباطل، بمصداقية أو بتضليل، وجد المصرفيون أنفسهم في مقابل «شارع غاضب» مما يصله من معطيات عن أرباح وميزانيات وأخبار وأرقام...

أصل الحكاية

بدأت الحكاية، فعلياً، مع المواجهة الشهيرة التي تمت لملمتها لاحقاً بين فرنسوا باسيل (رئيس جمعية المصارف حالياً) والنائب هاني قبيسي الذى ادعى على باسيل بجرائم القدح والذم والتحقير، على خلفية اتهام الأخير للنواب والسياسيين بـ»سرقة المال العام» وغيرها من اتهامات.
قد تكون تلك الواقعة من المرات النادرة التي تجد فيها المصارف نفسها على باب قصر العدل في مواجهة «نواب الشعب»، ومن خلفهم «رأي عام» وطبقة سياسية تزايد حنقها على المصارف لما يتم تداوله عن هذه المؤسسات في وسائل الاعلام. كرة الثلج هذه في وجه المصارف كبرت وتراكمت بفعل عوامل عدة، وساهم التوتر السياسي الكبير والوضع الاقتصادي المتدهور في البلد، والجدل الطويل حول موضوع سلسلة الرتب والرواتب وتمويلها، في دفع الامور إلى بلوغ القشة التي قصمت ظهر البعير.
هنا كان لا بد من تغير جذري من قبل المصارف في التعاطي مع قنوات التواصل مع الرأي العام والسياسيين. ففي بلد تراجعت فيه الصدقية لدى الناس تجاه المؤسسات الدستورية الحاكمة والراعية، أصبح الإعلام بحده الأدنى المهني، الوسيلة الأكثر مصداقية والمعتمدة إلى حد ما لدى الرأي العام في ممارسة الدور الرقابي المفترض على الصعيد الاجتماعي.
حيال هذا الأمر، تداعى عدد من أركان «الجمعية» إلى بحث الأمر المستجد وكيفية علاجه، والحد من تفاقمه وتداعياته. قاد هذا الحراك، كما يقول متابعون، كل من فرنسوا باسيل وسعد الأزهري، مع أعضاء آخرين من الجمعية، للبحث في سبل العلاج (يقول مطلعون إن منسوب الحماسة لدى المصرفيين تفاوت حيال الموضوع، لكن الجميع أعلن تأييده لما ستخرج به الجمعية).
مستعينين بخبرة الزميل رمزي النجار في صناعة وسائط التواصل الاستراتيجي في عالم الإعلام والإعلان، تم الاتفاق على أن تكون الخطوة الأولى في الصفحة الجديدة المنوي فتحها بين الطرفين، لقاء مباشراً وشفافاً بين الجمعية ورؤساء التحرير والمقررين في وسائل الإعلام (المرئي والمكتوب) مع مشاركة جدّية لشركات الاعلان، باعتبارها الوسيط التجاري بين الطرفين. وهو ما كان.

باسيل

في الكلام الذي قاله فرنسوا باسيل في اللقاء، أكثر من محطة يجب التوقف عندها باعتبار أنها ستكون المؤشرات المؤسسة لعناوين المرحلة الجديدة. «الثقةَ هي رأسمالُنا الأكبر، وهي الدعامةُ الأولى والأساسيّة لصمودِ مصارفِنا وتطوّرِها»، يشدد باسيل، وبالتالي أي ضرب لعامل الثقة سينعكس سلباً على القطاع المصرفي.
يعتبر باسيل أن «القطاعِ المصرفي وقطاعِ الإعلام ركيزتان أساسيّتان للاستقرارِ المالي والاقتصادي في لبنان. وأن من شأنِ التقاربُ بين المصارفِ والإعلام في الأداءِ والأدوار أن يدفعَهما الى توحيدِ جهودِهما في مواجهةِ تحدّياتٍ مشتركة... وفي مقدَّمها الخطابات المضلِّلة للرأي العام».

فجأة وجدت المصارف
في البلد نفسها في مواجهة «الرأي العام». بحق أم بباطل، بمصداقية أو بتضليل
ويردف: «من البديهيّ أن إحدى مهمات الإعلام الوطنيّة تسليطُ الضوءِ بشفافيَّةٍ وموضوعيّة على أُمّهاتِ القضايا الاجتماعيّةِ والاقتصاديّة، الى جانبِ القضايا السياسيّة، وذلك مساهمةً منه في توعيةِ الرأي العام، لا بل في صُنع الرأي العام إذا جازَ التعبير. أما أن تستغلَّ بعضُ القوى أو الشخصيّاتِ السياسيّة وبعضُ الأقلام ذات الارتباطاتِ السياسيّة المنابرَ الإعلاميّة المُتاحة وحريَّةَ الرأي والتعبير لشنّ حملاتٍ مُغرضة على قطاعٍ حيويّ كالقطاع المصرفي، فتلك ممارساتٌ، أقلُّ ما يُقال فيها، إنها تضليلٌ للرأي العام وتشويهٌ لسمعةِ مؤسّساتِنا الناجحة في الداخل والخارج».

الأزهري

بدوره، ومن بداية كلمته، يؤكد نائب رئيس الجمعية سعد الأزهري فكرة تسعى المصارف اليوم إلى تحقيقها وهي ضرورة «إرساء شراكة راسخة بين قطاعي الإعلام والمصارف،» ففي رأيه «أن الشأن الاقتصادي عموماً وإنجازات القطاع المصرفي خصوصاً لا تنال حقّها والحيّز الإعلامي التي هي جديرة به». ويعتبر الأزهري «أن ما يتعرض له الاقتصاد من تهميش وركود والقطاع المصرفي تحديداً من اتهامات وافتراءات، يشكّل اعتداءً خطيراً على حياة البلد والناس، لأن هذه الحياة مرتبطة في كثير من جوانبها ومناحيها بمتانة القطاع المصرفي وعافيته، وبسمعته طبعاً».
ويعود ليؤكد في مستهل حديثه أن «ثمة من يحاول ظلماً وتحويراً الإيحاء بأن المصارف هي في مواجهة المواطن والمجتمع، ولكن في الحقيقة إن استهداف القطاع المصرفي هو استهداف للمواطن ذي الدخل المحدود قبل الميسور أو الغني... نتمنّى عليكم، وليس من باب الترويج، أن تذكّروا بالحقائق، لكي يعي الجميع أهمية حماية القطاع المصرفي».
النقاط الرئيسة التي تناولها كل من باسيل والأزهري في كلامهما يمكن القول إنها ستكون الركائز التي تسعى المصارف إلى تكريسها في صوغ العلاقة الجديدة مع الإعلام في لبنان. ففي تقييم سريع لمسيرة هذه العلاقة السابقة، يظهر الكثير من الفجوات والأخطاء التي لم تعد مقبولة مع تطور وسائل الإعلام والتواصل المعلوماتي.
المصارف التي غالباً ما بدا مسؤولوها متخوفين من التعامل مع الإعلام، ومتمترسين وراء مكاتبهم وربطات أعناقهم، تبحث اليوم عن «شراكة» مع وسائل الإعلام لصناعة «رأي عام» قائم على «المعلومة الصحيحة».
الأكيد أن زيادة الإنفاق في الإعلان التجاري التقليدي (الذي قد يظنه الكثيرون في كلا الجانبين الحل الأمثل والسريع) لن يحل تراكم المشكلات. المطلوب اليوم عقد جديد بين الطرفين قائم على حرفية ومهنية لا تلغي الدور الرقابي لوسائل الإعلام، ولا تجعل في المقابل من هذه الوسائل منابر للتضليل والتشويه معروف الثمن.
أمر يبدو أنه لا يزال في خطواته الأولى بمسيرة الألف ميل، كثير من المداخلات التي سمعناها يؤكد ذلك، قليل لامس كنه المشكلة وسبل حلها، الأيام ستثبت ذلك.




هذا ما تريده المصارف... ولكن!

يفصح البيان الصادر عن جمعية المصارف أن الهدف من اللقاء هو «تعزيز علاقات المصارف مع وسائل الإعلام بهدف الحدّ من الهجوم المتعمّد على القطاع، حشد دعم وسائل الإعلام لتحسين القطاع المصرفي من خلال تسليط الضوء على دور المصارف في حياة الأفراد، التصدّي للتصوّرات الخاطئة عن مستويات ربحيّة المصارف اللبنانية وإبراز دورها في الاقتصاد الوطني... كسب تأييد وسائل الإعلام كحليف رئيسيّ في الجدل الدائر حول سلسلة الرتب والرواتب. استعداد وسائل الإعلام لتكون موجِّهة للرأي العام من خلال نشر مقالات وافتتاحيات حول الدور الأساسي للمصارف اللبنانية على المستويين الفردي والوطني. تشجيع وكالات الإعلان على تقديم الخدمات للمصلحة العامة... وتحقيق أهداف جمعية المصارف».