حتى في البلدان الصناعية المتطورة، تعد الزراعة التي تحقق مفهوم الامن الغذائي مؤشراً اقتصادياً للتنمية الاجتماعية. لكن في لبنان يبدو المشهد مختلفاً، فهذا القطاع الذي يُساهم بنحو 7% من الناتج المحلي الإجمالي، يعاني إهمالاً مستمراً منذ عقود.

تلعب الزراعة دوراً مهماً في المنظومة الاقتصادية والاجتماعية للأسر الرّيفية، كون هذا القطاع يؤمن دخلاً لحوالى 15% من السّكان في لبنان.

ويعاني المزارع اللبناني طوال فصول السّنة من تحدّيات وعقبات تهدّدُ إنتاجه وتحولُ دون تصريفه بالشكل السليم، إضافة الى مشكلتين مستجدتيْن: الأولى تتمثّل في شحّ مياه الأمطار ونقص المياه الجوفية، والثانية في قطع الطرقات التي تؤثر بشكلٍ أخطر في عملية نقل الإنتاج. يضاف إلى ذلك، عامل إضافي يعيق تطوير القطاع، ألا وهو أنّ معظم الإنتاج الزراعي يصدّر بالأمانة، والخلل واضح في مراقبة معايير الجودة المطلوبة خارجياً.
تشغّل الزراعة في لبنان بين %20 و30% من إجمالي العمالة في البلد، ويقدّر حجم اللبنانيين المستفيدين من هذا القطاع بمليون و200 ألف مواطن، ما يوازي حوالى 25% من إجمالي عدد السكان، وتشكل المساحة المزروعة نسبة 82% من إجمالي المساحة الصالحة للزراعة.
ويعدّ القطاع الزراعي في لبنان من المحاور الرئيسة في النّشاط الاقتصادي، وهو يعتمد بالدرجة الأولى على كمية الأمطار ما يؤدي إلى تذبذب في مستوى الإنتاج من سنة إلى أخرى. وتتصف الزراعة في لبنان بإمكانيات محدودة من الموارد الطبيعية كمياه وأراضٍ، فيما يمتلك لبنان ثروة حيوانية لا بأس بها كتربية الأبقار والدواجن والنّحل اضافة الى عدد من المزارع المتطورة والمنتجة.
ويتّسم القطاع الزراعي بتنوّع في المحاصيل والتربة والارتفاع والموقع وتمتد هذه المساحات من سهل البقاع الدّاخلي والممرات والجلول الجبلية، وصولاً إلى السّهول الساحلية، والمناخ المناسب والنوعية الترابية الملائمة. غير أن لبنان يفتقر الى آلية التنسيق والتخطيط والتوجيه في مجال البحوث الزراعية بحيث تكون الأولوية في البحوث للحبوب الغذائية وبالذات الحبوب القابلة لمقاومة الجفاف. اضافة الى ضعف أداء وقدرات الإرشاد الزراعي لعدم ايلائه الاهتمام اللازم للتطور المتسارع في مجال التكنولوجيا الحيوية، وعدم وجود سياسة وطنية لتنسيق جهود البحث العلمي الزراعي.

الفلاحون يشكون

عن الموسم الزراعي لهذا العام، يقول رئيس نقابة الفلاحين في لبنان إبراهيم ترشيشي، إن سنة 2014 هي سنة «نحس» على المزارعين، فمن الناحية الطبيعية لم تكن الأوضاع المناخية لمصلحة المزارع والأسر المعتاشة من هذا القطاع، بسبب انحباس الأمطار لفترات طويلة، إذ قدّرت نسبة الأمطار الهاطلة بحوالى 25% من أصل المعدل السنوي.
وأوضح: «يضاف ذلك الى يوم الصقيع الذي ضرب لبنان في 31/03/2014 وقضى على قسم كبير من المزروعات في البيوت البلاستيكية وعلى تمديدات الري وتمديدات شبكات مياه الشفة الظاهرة. وما خلفته الطبيعة من خسائر فادحة في مواسم الاشجار المثمرة، وبعض أنواع الخضار. أما من الناحية الأمنية فقد أدى قطع الطرقات الى تعطيل الأسواق الداخلية، وحرم المزارعين العديد من الفرص لتصريف البضائع بأسعار مقبولة».

مشكلتان مستجدتان:
الشحّ في مياه الأمطار وقطع الطرقات


أثرت الازمة السورية بشكل
مباشر على كلفة الشحن حيث أدت الى ارتفاع الأسعار

وأشار ترشيشي إلى أن موضوع التصدير يواجه في الآونة الأخيرة مشكلة حقيقية، وهي التعطيل في حركة انتقال المنتجات الزراعية كمنع مرور الشاحنات اللبنانية من والى الاراضي السورية أو لجهة تكدس البضائع في البرادات لأكثر من عشرة أيام على الحدود الأردنية لأسباب مجهولة. واستغرب تعمّد السلطات الأردنية توقيف انتقال البضاعة اللبنانية وتعطيل المنافسة الخارجية، مشيراً الى أن المزارعين اللبنانيين يتطلعون الى أفضل العلاقات مع جيرانهم، آملاً بمعالجة الأمور في شكلٍ سريع.
أما بالنسبة الى حجم الإنتاج الزراعي في منطقة البقاع فهو في مرحلة جيدّة، غير أنه يفتقد الى التصريف. علماً أن مساحة الأراضي الزراعية في منطقة البقاع تبلغ 250 دونماً من مساحة الزراعات المروية، وأكثر من 150 ألف دونم من الزراعات البعلية. وتبلغ قيمة القطاع الزراعي في البقاع نحو 200 مليون دولار، وهو يوفر العمل لـ 40 في المئة من البقاعيين غير الموظفين. ولفت ترشيشي الى أن لبنان يصدّر عن طريق البرّ أكثر من 1500 طن يومياً من المحاصيل الزراعية الى الدول العربية، وأكثر من 100 طن يومياً عن الطريق البحريّة. علماً انه في السنوات السابقة، كان حجم البضائع الزراعية المصدرة يومياً يقدّر بأكثر من 3000 طن يومياً، أي أن نسبة التصدير تراجعت في هاتين السنتين بنسبة 50%.
ويشير ترشيشي إلى «أن ما زاد الطين بلة، أنه إضافة الى المشكلتين السورية والأردنية اللتين عطلتا حركة التصدير الزراعية، تظهر مشكلة داخلية وهي قطع طريق ضهر البيدر وما يترتّب عليه من أضرار ومعوقات، وهذه التصرفات هي عقاب للمزارعين في البقاع، علماً أن المزارع البقاعي هو سند أساسي في عملية الإنتاج. وكأن الذي يحصل على طريق البقاع هو عقاب وحرق أعصاب للأسر البقاعية»، داعياً الى اعادة فتح الطرقات، ومتسائلاً «لماذا الطرقات الأخرى تقطع لساعة أو ساعتين، فيما تقطع طريق ضهر البيدر كلياً؟».
أثّرت الأزمة الاقتصادية التي تعرّض لها لبنان عام 2012 في قطاعاته الإنتاجية كافة التي شهدت خضّات متتالية على جميع الصعد. كذلك أثرت في مؤشرات الاقتصاد الوطني وميزانه التجاري، وكان للقطاع الزراعي نصيبٌ من هذه الأزمة.
ومن جهة أخرى، لحقت ببنية الإنتاج الغذائي اللبناني أضرار مباشرة أدت الى تفكك في شبكة التصريف والتوزيع الذي سبّب لاحقاً كساداً اقتصادياً، وذلك بسبب عطل بنيوي ناتج من غياب في سياسة الوقاية والإدارة من الحوادث الطبيعية الطارئة أو العادية.
وبعد فترة وجيزة، ما لبث أن تحسّن مستوى الإنتاج بفضل زيادة في النسب الاستهلاكية من المواد الأساسية والتجارية. وهذا ما أدى لاحقاً الى استقرار نسبيّ وعلى نحوٍ مؤاتٍ في الوضع الغذائي والزراعي اللذين يرتبطان بمدى تحسّن الجوّ السياسي العام في البلد، ويتعثر أداؤهما مع ظهور الاضطرابات والمشاكل السياسية المتلاحقة.
ورغم محاولات لبنان الانضمام الى جمعيات تهتم بالأبحاث والدراسات الزراعية لحوض البحر المتوسط وكذلك الاتفاقية مع الصندوق الدولي للتنمية الزراعية. الا أن القطاع الزراعي لا يزال يعاني من قلة التشريعات الخاصة التي تنظم وتحمي هذا القطاع.

تهميش استثماري

في هذا السياق، يوضح رئيس نقابة المزارعين أنطوان الحويك أن المشكلة الأساسية التي ينبغي التوقف عندها هي التهميش الاستثماري في القطاع الزراعي، وهروب العديد من المستثمرين الأجانب نتيجة فقدان آليات التعويض، ومخاطر الاستيراد في ظل الأوضاع الأمنية الصعبة. ويشير الحويك إلى «أن بعض المزارعين يعتمدون على آبارهم الخاصة، ويكون إنتاجهم جيّداً، أما الفئة الأخرى فآبارها جفّت، فإما تستحصل على المياه من ينابيع مشتركة أو تضطر الى تجميد نشاطها الزراعي لفترة معينة».
كما أنّ تقلّص الرقعة الزراعية يعود الى انتشار الحرائق وإزالة الغابات والرعي المفرط والتقلبات في هطول الامطار التي شهدها لبنان والتي وصلت إلى حدود الخطر خلال السنتين الماضيتين. اضافة الى سوء ادارة سطح الأراضي المزروعة، التي أدت الى تآكل التربة.
ويلفت الحويك إلى «أن الأمر الذي ساهم في ضرب المواسم هو أن التسويق الزراعي يشهد مشكلة كبيرة، فالمزارع يضع إنتاجه لدى التجار «بالأمانة» ليحصل على المردود بعد بيعه، من دون نسيان اقتطاع عمولة تاجر الجملة. كما انه لا توجد آلية واضحة في عملية التصدير». ويضيف: «أن نسبة الصادرات انخفضت بنسبة 30% عن النسبة التي حققها القطاع الزراعي في العامين السابقين. أما بالنسبة إلى الانتاج الحيواني، فصادرات الدجاج تبقى للاستهلاك المحلي، أما انتاج البيض فقد تأثّر كثيراً خصوصاً بعد دخول البيض السوري الى حلبة منافسة البضاعة اللبنانية، كما انخفضت صادرات البيض بنسبة 25% عن السنة الماضية».
ويُنتج لبنان مجموعة من المنتجات المعدّة للتصدير والاستهلاك المحلي على حد سواء. وتتركز الصادرات الزراعية اللبنانية في الدول العربية وخصوصاً منطقة الخليج، وتعتبر البطاطا من أبرز الأنواع المصدرة، حيث شكّلت 30% من إجمالي الصادرات. وتعتبر الولايات المتحدة أبرز بلدان أميركا الشمالية المستوردة للمنتجات، حيث أنها تستورد اللوز والمشمش والحبوب والخيار والجيركين والمكسرات الصالحة للأكل والبرتقال.
من جهة أخرى، أثرت الازمة السورية، بشكل مباشر على كلفة الشحن حيث أدت الى ارتفاع الأسعار. وعلى سبيل المثال تقلّصت صادرات الحمضيات نتيجة المنافسة الشديدة. علماً أن محصول الحمضيات والموز والتفاح يعتبر من الأسواق الأساسية، التي تدخل فيها منطقة الخليج وسوريا ومصر (الذي يستفيد من التفاح).
ويختتم الحويك بالقول: «إن الكلفة اللبنانية قادرة على تغطية المنافسة الخارجية، والنوعية الإنتاجية هي من أفضل الأنواع الموجودة في المنطقة، فالمزارعون اللبنانيون هم الفئة الوحيدة في لبنان التي لا تؤمن لها الدولة الضمان الاجتماعي، أو حتى الاختياري، اضافة الى غياب دعمها بالقروض الميسّرة».
(الأخبار)