بعيداً من الصفات التي يجب أن يتمتع بها المتسوّق(ة) الجيّد(ة)، سجّلت السوق في لبنان اختلافاً واضحاً في قواعد اللعبة! دخل عامل جديد منذ فترة جذب انتباه مختلف الزبائن؛ إنّها متاجر الـ outlet. هذا النوع من المحال سجّل أخيراً انتشاراً واسعاً، وخصوصاً في مناطق عدة في بيروت والمدن الرئيسة.


وسرعان ما اتّجه هذا «القطاع» نحو مزيد من التطوّر ليشمل الخدمات أيضاً، فأصبح بإمكان «الترف» أن يكون في متناول «عامة الشعب».

ما هي الـoutlet stores؟

لغوياً، تعني كلمة outlet سوقاً لسلعة ما أو قد تستخدم للإشارة إلى مخرج أو منفذ ما. وعلى رغم أنّ هذا النوع من التجارة قد يكون جديداً نسبياً في بلادنا، إلّا أنّه ظهر قبل أكثر من ثمانين عاماً في الولايات المتحدة. في ثلاثينيات القرن الماضي شهدت بلاد العم سام، وخصوصاً في الشرق، ولادة أول محال الـoutlet، إذ كانت على شكل متاجر تابعة للمصانع الكبرى (factory outlets) تضم كميات من البضائع الزائدة أو المتضررة وتباع للموظفين بأسعار زهيدة.
بعد سنوات قليلة، شملت هذه العملية غير الموظفين كذلك. حتى بداية السبعينيات، كان الهدف الأوّل من هذه الخطوة التخلّص من السلع التالفة أو الزائدة. بحلول عام ١٩٧٤ غيّرت «فانيتي فير» قواعد اللعبة بافتتاح أوّل مجمّع للتسوّق يحوي مجموعة كبيرة من متاجر الـoutlet المتنوّعة في منطقة ريدينغ في ولاية بنسلفانيا، قبل أن تشهد هذه الظاهرة تمدداً واسعاً في الثمانينيات والتسعينيات.
هنا، تجدر الإشارة إلى أنّه في عام ٢٠٠٣ مثلاً حصدت هذه المجمّعات التجارية ١٥ مليار دولار من ٢٦٠ متجراً على امتداد الولايات الأميركية. كما أنّ عدد هذه المجمّعات ارتفع من ١١٣ في ١٩٨٨ إلى ٣٢٥ في ١٩٩٧ ولا يزال في ازدياد مستمر طبعاً! صحيح أنّ متاجر الـoutlet بدأت في أميركا لكنّها سرعان ما انتشرت في أوروبا، لتتسلل إلى آسيا وتحديداً اليابان في منتصف التسعينيات.

السوق اللبنانية

المتاجر الخاصة بالمصانع الكبرى في لبنان ليست كثيرة، وهي تعود في الأغلب إلى ماركات «متوسطة» فضلاً عن أخرى قليلة لماركات شهيرة من بينها أهم اسمين في عالم الملابس الرياضية في العالم. فيما تستفيد هذه المصانع من هذا النوع من المتاجر حول العالم في تصريف كامل إنتاجها، إلى درجة أوصلت بعضها إلى تصميم قطع خاصة لها، نرى في لبنان تكاثر في أعداد المتاجر التي تحوي بضائع من ماركات أجنبية غالية ومتوسطة.
شيرين بعاصيري صاحبة أحد متاجر الـoutlet في منطقة الرملة البيضاء في بيروت، هي شخصياً من هواة هذا الشكل من التسوّق (داخل لبنان وخارجه)، وقادها «ازدياد الطلب» إلى افتتاح مشروع خاص بها. «قرّرت أن استورد ما يعرف بماركات الطبقة الوسطى (middle class brands)، وصممت على أن تكون من تشكيلة الموسم الحالي وليس الأعوام الماضية، وهذا ما يتطلّب مني مضاعفة جهودي».
تأتي الشابة اللبنانية بأغلب بضائعها من الدنمارك وبريطانيا وتبيعها بأسعار أقل من السعر الأصلي بنسبة تراوح بين ٣٠ و٥٠ %، مشددةَ في الوقت نفسه على أنّها تعمل بطريقة «شرعية ١٠٠٪». وفي هذا السياق، تشكو بعاصيري الكلفة الغالية التي تتكبدّها أثناء الشحن، إذ تضطر إلى دفع حوالى ٤٠ في المئة من قيمة البضاعة إلى مصلحة الجمارك. ولتفادي السلبيات التي قد تعانيها بسبب موقع المتجر الذي «ما عليه كتير إجر» ولكي لا تتكبّد مزيداً من الأعباء المالية، عمدت بعاصيري إلى التسويق لمشروعها البالغ ثمانية أشهر عبر مواقع التواصل الاجتماعي وخصوصاً فايسبوك، فضلاً عن المشاركة في نشاطات اجتماعية لتسليط الضوء أكثر على التجربة. شكل آخر من الـoutlet stores ظهر في السنوات الأخيرة على الشبكة العنكبوتية، وهو المواقع الإلكترونية التي تضع بين أيدي المتصفحين حسومات كبيرة. هذه الحسومات لا تشمل فقط الماركات العالمية، بل الخدمات أيضاً. ماذا نعني بالخدمات؟ القصد من هذه البضائع هو تمكين الزبون من الاستمتاع بطعام شهي في مطعم فاخر مثلاً من خلال الحصول على نسبة خصم قد تصل إلى ٥٠ بالمئة أو حتى أكثر، أو مثلاً الاسترخاء في منتجع سياحي أو فندق راق، أو السفر على متن طيران «خمس نجوم» بسعر مغر وغيرها.
رانيا نحاس مؤسسة واحد من المواقع الإلكترونية اللبنانية في هذا المجال، واكتشفت الفكرة من خلال زياراتها الأميركية المتكررة، قبل أن تدرك أنّ مواقع مشابهة لم تحسن استخدام وسائل الإعلام الجديد (new media) في عملية التسويق.
تؤكد نحاس أنّ موقعها يستهدف كل الطبقات الاجتماعية لأنّ «الكل بحب يوفّر»، موضحةَ أنّ الفكرة الأساسية كانت «تقديم خدمات lux للطبقة الوسطى والطلاب». وتلفت نحاس إلى أنّ زوّار الموقع لا ينحصرون بفئة محددة بل يتنوّعون بين «العائلات والموظفين والتلاميذ ورجال الأعمال وغيرهم». وفي غضون أقل من عام زاد الإقبال بشكل كبير على الموقع. إقبال ترى نحاس أنّ أكثر ما ساهم في ازدياده هو «التجاوب الكبير من قبل الجمهور، حتّى أنّهم باتوا يقترحون علينا صفقات معيّنة». وفي ظل رضاها عن مشروعها الحالي، تقر نحاس بأنّ البداية كانت صعبة لأنّ «الناس لم يثقوا بالدفع على النت عن طريق بطاقات الائتمان»، لكنّها تعود لتؤكد أنّهم «تخطّوا هذه المشكلة مع الوقت، ولمسوا الصدق في التعامل، والمعاملة الجيّدة التي يتلقونها في الأماكن التي يقصدونها وكأنّهم من أهم الزبائن».

رأي الناس

دخول رالف (٣٥ سنة) إلى المتجر الشهير للـoutlet في منطقة الروشة البيروتية كان صدفة، لكن منذ ذلك اليوم «صار ارتياد متاجر مماثلة إدماناً لا أستطيع التغلّب عليه». أكثر ما أعجبه هو إمكانية الحصول على أهم الماركات العالمية بأسعار مقبولة جداً. بعد ذلك، أصبح البحث عن محال شبيهة هدفاً يستحق العناء.
ظروف ليندا (٤٠ سنة) مماثلة، هي اليوم «متخصصة» في الجمع بين التوفير والأناقة، وفق ما يصفها أصدقاؤها الذين عيّنوها «مستشارة» لهم في هذا المجال. «أكاد أعرف كل المتاجر في لبنان، وعندما أسافر أتسوّق في محال الـoutlet حتى في أشهر عواصم الموضة»، تقول.
سليم (٢١ سنة) مهووس بـ«كل شي كلاس ومرتّب» بدءاً بالملابس، مروراً بأماكن الترفيه التي يرتادها ومقتنياته الإلكترونية وصولاً إلى هدايا الأصدقاء. مشكلة طالب الهندسة في الجامعة الأميركية هي أنّ غلاء المعيشة في بيروت وعيشه يصعّب عليه التماشي مع أهوائه ومواكبة أسلوب الحياة الذي يطمح إليه باستمرار، إلّا أنّه وجد الحل في متاجر الـoutlet والمواقع الإلكترونية اللبنانية وتلك العربية والعالمية التي توفّر العروض لزوّارها بحسب البلد الذين يوجدون فيه.

«حماية المستهلك» تعوّل على «شطارة» المواطن لكشف الغش

رأي شيرين بعاصيري وشيرين نحاس لا يختلف كثيراً عن الزبائن. الأولى ترى أنّ إقبال المواطنين على محال الـoutlet يعود إلى سببين أساسيين هما: رخص الأسعار نسبة للثمن الأصلي للقطعة خصوصاً أمام الواقع الاقتصادي الصعب الذي يرزح تحته لبنان، فضلاً عن رغبة شريحة كبيرة من الزبائن في اقتناء أغراض مميّزة تختلف عمّا هو سائد في السوق. وتنوّه بعاصيري إلى فكرة أساسية توصّلت إليها بحكم التجربة وهي أنّ جزءاً كبيراً من اللبنانيين تخطّى عقدة البضائع الأجنبية وبدأ يبحث في هذه المتاجر عن بضائع مميّزة من تصميم لبنانيين نجحوا في محاكاة الذوق اللبناني، الأمر الذي تفتقده المنتجات الأجنبية.
بدورها، تعتبر نحاس أنّ المعاناة المادية هي من أهم العوامل (إن لم تكن الأهم)، لكنّها تلفت إلى أنّ الفائدة مشتركة بالنسبة إلى الخدمات بين الزبون وصاحب المؤسسة. وتشرح أنّ القطاعات التجارية التي تتأثر بأدنى اهتزاز سياسي أو أمني في البلاد على سبيل المثال تكسب زبائن جدداً من خلال المواقع الإلكترونية الشبيهة بموقعها.
وتجمع الشابتان على أنّ هناك نسبة لا يستهان بها من زبائنهما من ميسوري الحال، مؤكدتين أنّ الرغبة في التوفير والاستفادة من خدمة ونوعية مميزة بأسعار معقولة مطلب جامع.

ضحية الفوضى

مع انتشار متاجر الـoutlet في لبنان إضافة إلى المواقع الخاصة بالتنزيلات، يبقى المواطن عرضة للغش في ظل غياب الرقابة عن معظم القطاعات الإنتاجية. وأمام هذا الواقع لا بد من التوقف عند رأي مديرية حماية المستهلك التابعة لوزارة الاقتصاد والتجارة. بصراحة شديدة، يقرّ رئيس المديرية زهير برّو أنّ مستوى الفوضى والتفلّت في السوق اللبنانية عال جداً، خصوصاً أنّ جزءاً كبيراً من التجّار يلجأ إلى طرق ملتوية لتمرير بضائعهم المستوردة ولتخفيض رسوم الجمارك مثل «التهريب والشراء على أساس أنّها مستعملة أو بالكيلو». وقال برّو إنّه على أساس هذه القاعدة، «تدخل البضائع على أنّها ستوكات ماركات عالمية»، مشدداً على أنّ «هذه السوق ليست واضحة وتفتقر إلى الشفافية». أما في ما يتعلّق بالرقابة، فأكد برّو أنّها من المفترض أن تتم عند دخول البضائع إلى لبنان وأثناء وجودها في السوق المحلية، إلّا أنّها «للأسف شبه مفقودة». لكن من يحمي المستهلك من أفخاخ كهذه؟ «المواطنون أمام فوضى حقيقية، والتعويل الأساسي يبقى على شطارتهم»، يقول برّو، مضيفاً أنّه «يجب أن يتحلّوا بدقة الملاحظة». إذن، بند جديد يضاف إلى قائمة الأعمال التي يجب أن يقوم بها اللبناني لمواجهة الفلتان المنتشر في البلاد. بعد الاستشفاء والأغذية والأدوية ومواد البناء وغيرها يبدو أنّ السلطات المعنية تعوّل على «شطارة» اللبناني في حماية نفسه من نتائج تقاعسها!




أين حماية المستهلك؟

تحدّث زهير برّو عن أشكال عدة من التزوير التي يمكن أن يتعرّض لها المواطن في محال الـ«صولديري»، بدءاً بلصق ماركات عالمية على بضائع مصنّعة في معامل عادّية، لافتاً إلى أنّ البضائع التي تصنّع في أوروبا وأميركا باتت «قليلة جداً»، وموضحاً أنّ الغالبية الساحقة أصبحت تصنّع في الهند والصين وفييتنام وغيرها. وفي هذا الإطار، يتحدث برّو بشيء من الحسرة عن واقع السوق اللبنانية سابقاً والتغيّر الجذري الذي طرأ على البضائع المستوردة وخصوصاً الملابس وتوابعها: «زمان، كان لبنان يتباهى باستقدام والترويج للماركات المسجلة العالمية من أجل الحفاظ على النوعية». وأضاف: «اليوم هناك وكلاء حصريون مشاركون في لعبة الغش، حتى أنّهم يدخلون بضائع مقلّدة بأسلوب جيّد يصعب كشفه».