تتسم علاقة المصارف بالأموال المنتشرة في المجتمع بنوع من التكامل. صحيح أن هذه المؤسسات لا تخلق النقد إلا أنها تعطيه معنى ضمن آليات العرض والطلب في السوق. هي مؤسسات ربحية، ليس فقط بالدرجة الأولى بل بالدوري الممتاز. فلنتحيل مثلاً كيف يُمكن أن تدير المصارف – أي القيمون الكبار عليها – أموالها الخاصة، وهي تنفذ وظيفة أساسية عامودها إدارة الأموال؟

أخيراً، صدرت نتائج المصارف التجارية الخاصة خلال الفصول الثلاثة الاولى من عام 2014. لكلّ منها أداؤه نظراً إلى موقعه، انتشاره، تأثره بالأحداث المحيطة وبتباطؤ السوق المحلية. ولكن هناك قاسم مشترك بين الجميع: في حال كانت النتيجة نمواً للأرباح فستقوّم أنّها أداء باهر، أما إذا كانت تقلصاً، فستخضع لجراحة تجميلة وتُعرض نسخات أخرى منها للالتفاف على الحقيقة. فلنأخذ أحد المصارف الكبرى الذي أصدر نتائجه للفترة المذكورة. كانت النتيجة تراجعاً في الأرباح عن الفترة نفسها من العام السابق؛ صحيح أن التراجع هو دون 1% غير أنه يبقى تراجعاً. وبحسب مقاييس المصرف لا يُمكن التصريح عنه للعموم بهذا الشكل. هكذا يتحوّل الإعلان إلى الاكتفاء بإعلان ارتفاع الارباح قبل الضرائب!

تلميع الصورة

لا شكّ في أن كل مؤسسة مالية تسعى إلى تلميع صورتها. هي تعتمد على هذه الصورة لكي تجذب الأموال وتستمرّ بحفظها وإدارتها، وأيضاً لكي تجذب الزبائن إلى منتجاتها المختلفة. بحسب القيمين على هذه المصارف فإنّ جهودهم المبذولة على هذين الصعيدين تستحقّ المكافآت السخية جداً؛ إدارة المال يجب أن تدر الكثير منه، هذه هي القاعدة السائدة من الشرق إلى الغرب.


أن يُصنّف المصرف «ألفا»
عليه أن يبذل جهوداً مضاعفة مقارنة بالمصارف الصغيرة


ولكن يبدو أن علاقة المصارف باموالها، وتحديداً على مستوى مكافأة القيمين والأفراد، قد تشذّ في كثير من الأحيان عن المنطق والحس الرفيع بالمسؤولية. وقد ظهر هذا الأمر في التعميم الخاص (رقم 133، في 6 آب 2014) الذي أصدره حاكم مصرف لبنان رياض سلامة، حول المكافآت التي يحصلها الموظفون والمدراء الكبار من هذه المؤسسات المالية. يُشدّد سلامة على ضرورة أن يعمد كلّ مصرف على خطّ سياسة عامّة لتحديد المكافآت التي يحصل عليها الموظفون سنوياً. المهمّ في هذه السياسة هو الحرص على أن توزيع المكافآت لا يجب أن يؤثّر في الأداء المالي، الحالي أو المستقبلي، للمصرف المعني.
وفي معظم الأحيان يجب أن تتم هذه العملية عبر مجلس خاص من غير أعضاء مجلس الإدارة - الامناء على الأموال طبعاً – لرصد الإجراءات غير المتوائمة مع مصلحة البنك العليا.

أهمية النتائج

على خلفية كلّ هذه المعطيات تتضح أهمية نتائج المصارف التي تشكّل الفئة الذهبية "ألفا" (Alpha Banks) أي مجموعة المصارف التي يتمتع كلّ واحد منها بأصول تفوق ملياري دولار.
هي 14 مؤسسة، تُعدّ عصب الجهاز المصرفي اللبناني. والنتائج التي تحققها مجتمعة ترسم الواقع السائد في القطاع.
خلال النصف الأول من العام الحالي، نما نشاط هذه المجموعة، مقاساً بحجم أصولها، بنسبة 4.6%. وفعلياً، هذه المصارف هي مسؤولة عن معظم نشاط القطاع المصرفي برمته، وقد سجّل الأخير نمواً في أصوله الإجمالية خلال الفترة المذكورة، إذ فاقت 170 مليار دولار.
اللافت في أداء المجموعة "ألفا" هو أنه، بخلاف المعتاد، تحقق النمو بالنسبة الكبرى نتيجة أعمال هذه المصارف خارج لبنان. فقد نمت ودائعها في وحداتها الأجنبية بنسبة 12.4%، فيما لم تنم ودائعها محلياً إلى بنسبة 3%. نسبة تُعدّ متواضعة جداً قياساً بالدور الذي يزعم الجهاز المصرفي برمته أنه يلعبه في الاقتصاد.
كذلك، لم تنم القروض التي منحتها هذه المصارف إلا بنسبة 3.8% محلياً، فيما النمو تجاوز 14% في وحداتها الخارجية. هنا أيضاً، يظهر تراجع ثقة المصارف في السوق المحلية – نتيجة عوامل شائكة ومتشابكة على المستويين المحلي والإقليمي.
من ثمّ نصل إلى الربحية التي تُعدّ الكأس المقدسة للمصرفي أينما كان وكيفما مال. هنا، النمو كان بنسبة 4.8%، وهو بحسب خبراء القطاع، دون الإمكانات المتاحة.
هذا يعني أن المصارف المعنية تتمتع بمقوّمات تمكنها من تحقيق أرباح أكبر بكثير مما تفعل، غير أن الظروف التي تسيطر على بيئتها التشغيلية تمنعها من ذلك.

جنة الارباح

ولكن هل تتوقع المصارف أن تبقى إلى الأبد في جنّة الأرباح المتصاعدة؟ أين التحدي والأداء الرفيع إذاً في مواجهة الصعب وكسر النمط الذي يفرضه الركود أو الخشية من الاضطرابات الأمنية؟
في الحقيقة، اعتادت المصارف، وتحديداً الفئة الرائدة في إطار نشاطها الاقتصادي، على تحقيق الأرباح السخية السهلة أكان عبر سندات الخزينة أم الفوائد المرتفعة جداً. وما يعنيه أداؤها الجديد هو أن الوقت قد حان فعلاً لإعادة النظر في منظومة العمل والإنتاج في هذا القطاع. وقد طرح صندوق النقد الدولي هذه الفرضية في تقريره الأخير عن لبنان، ودعا المصارف إلى التفكير بالمجالات المتاحة للاستمرار في أعمالها المربحة بعيداً من محدودية السوق المحلية التي تقوم على القروض الفردية.
أن تكون المؤسسة المالية مصنّفة "ألفا" عليها أن تبذل جهوداً مضاعفة مقارنة بالمصارف الصغيرة الأخرى السائدة في السوق، كذلك مطلوب منها أن تكون أكثر ابتكاراً في تحريك العجلة الاقتصادية التي تفيدها في نهاية المطاف.
وبناء على التجربة التي سادت ولا تزال في المصارف الاستثمارية العاليمة، يتضح أنه على هذه المصارف أيضاً أن تُظهر حساسية مسؤولة إزاء رواتب المدراء الكبار – الذي قد يصل راتب كلّ منهم إلى 7 أضعاف راتب موظف متدرّج جديد في المصرف.
مطلوب من المصارف الرائدة الكثير في المجالات كافة، ولكن أهم شيء هو أن تستغل مقوماتها في تحقيق النموّ في لبنان تحديداً، والبلدان الأخرى التي تعمل فيها، لأنّ النموّ يعني الازدهار الإضافي الذي يُعزز وضعيتها في نهاية المطاف.




الثبات ليس دليل قوّة

خلال عام 2013 بقيت أرباح المصارف التجارية العاملة في لبنان ثابتة، إذ بلغت 1.89 مليار دولار. عُدّ هذا الأداء متواضعاً غير أنه مبرّر: الأزمة السياسية في لبنان مستمرّة منذ أكثر من عامين، كذلك تتأثر البلاد بقوّة بما يحدث على حدودها الشمالية والشرقية. أما الأصول الإجمالية فقد بلغت 199 مليار دولار مشكّلة ارتفاعاً بنسبة 9.7%. تُعدّ هذه الأرباح قيماً مهولة بحسب المعايير السائدة في السوق، غير أنّها، وبنموذجها السائد، ليست مستدامة، وعليها بذل مزيد الابتكار.