«انتُخب منتج العام من المستهلك اللبناني». عبارة يُفترض أن تشكّل تأشيرة مرور للمنتج الاستهلاكي الذي يحملها إلى أي بيت لبناني. كيف لا، وهو يحمل العلامة الحمراء «المعهودة» التي أصبح المستهلك يعرفها جيّداً منذ أن بدأت تميّز سلعاً عدّة على رفوف السوبر ماركات منذ سنوات، وتمرّ في نهاية إعلاناتها المتلفزة؟


صحيح أنّ هذه العلامة توجد أحياناً على بضائع شهيرة ضمن فئتها، غير أنّه في الوقت نفسه كثيراً ما يجدها المواطن على بضائع لم يسبق له السماع باسمها حتى، في ظل بروز تساؤلات عدّة حول عملية الانتخاب التي يفترض أنّها جرت بمشاركة «المستهلك اللبناني».
مع مرور الوقت، يبدو جليّاً أنّ جزءاً كبيراً من اللبنانيين لا علاقة له بهذه العملية «الديموقراطية»، ولا يعرف عنها شيئاً. وتكفي جولة صغيرة في السوبر ماركات وسؤال المتسوّقين عن الموضوع، ليتبيّن أنّهم يجهلون تفاصيلها وآليّتها.
ولتحديد معالم هذه «الانتخابات» أكثر، لا بد من الانطلاق من نشأتها. عام ٢٠١١، برزت «صرعة» الملصق الأحمر الشهير، في ظل بقاء هوية الجهة التي أطلقته في لبنان مجهولة لفترة ليست قصيرة. هذا الواقع، دفع «جمعية حماية المستهلك» إلى التدقيق في الأمر، حتى وجدت من يقف خلفها. إنّها شركة Product Of The Year الفرنسيّة المنشأ التي تأسست عام ١٩٨٧ على يد المدير السابق لشركة «لوريال» الشهيرة كريستيان لوبريه. مع الوقت، تطوّرت هذه المؤسسة لتشمل ٤٢ بلداً حول العالم. بلدان تشمل دولاً عربية أخرى إلى جانب لبنان، وعلى رأسها الإمارات، والبحرين، والكويت، وقطر، السعودية.
رغم عملها منذ ثمانينيات القرن الماضي، إلا أنّ Product Of The Year لم تجد طريقها إلى لبنان سوى عام ٢٠١٠، قبل أن تبدأ العمل فعلياً على الأرض بعد ذلك بسنة واحدة.
في محاولة لمعرفة بعض المعلومات عن هذه الشركة، يُخبرنا موقعها الرسمي على الشبكة العنكبوتية بأنّها «الوحيدة» التي تُكافئ الابتكار في قطاع السلع الاستهلاكيّة، على أن تجري عملية التصويت على أيدي المستهلكين أنفسهم. ومَنْ منّا لا يرغب في «انتخابات» كهذه، وخصوصاً أنّنا نعيش في بلد يقدّس الديموقراطية والقرار الحرّ؟


يبدو جليّاً أنّ جزءاً كبيراً من
اللبنانيين لا علاقة له بهذه
العملية «الديموقراطية»،
ولا يعرف عنها شيئاً


ومن أجل الوصول إلى هذه الغاية، تؤكد الشركة أنّه في كل بلد تنشط فيه، يتم التعاون مع شركة إحصاءات لإدارة مسح يشمل عدداً من المتسوّقين الذين «يمثّلون البلد»، لاختيار المنتج الرابح من كلّ فئة، علماً بأنّ عدد هذه الفئات في ٢٠١٤ كان ٣٩ منتجاً، بينها المأكولات البحرية المعلّبة والمكسرات، والبيرة الخالية من الكحول، الشاي، واللبنة، وغيرها (راجع الكادر). ويركّز هذا الإحصاء على رأي المستهلك في ما يتعلّق بأربعة جوانب: نسبة الابتكار، الاستعمال، الرضى عن المنتج ونيّة شرائه مرّة ثانية. في هذا السياق، يحرص موقع Product Of The Year على التشديد على أنّ الأهم في هذه الجوانب يبقى الابتكار.
تعتمد الشركة شكل الملصق نفسه في كل الدول التي تعمل فيها، إضافةً إلى علامة الشركة، لكن ما يكتب عليه قد يختلف من بلد إلى آخر. على الملصق الموجّه إلى الشرق الأوسط نقرأ «الجائزة الكبرى للتسويق والابتكار»، وهي الترجمة الحرفيّة للجملة المكتوبة على الملصق الفرنسي، بينما تفيد النسخة الأوسترالية مثلاً بأنّ ما يحصل هو «إحصاء مع المستهلكين عن الابتكار في المنتج».
لا مشكلة في هذا الإطار طالما أنّ هذه الملصقات توضح للمستهلك أنّ الاختيار جرى عن طريق إحصاء، وأنّ الأمر يتعلّق حصراً بالابتكار لا الجودة أو معايير السلامة الغذائية. لكن ماذا عن «انتُخب منتج العام من المستهلك اللبناني» المكتوبة على النسخة الخاصة ببلاد الأرز؟
هذه الجملة تعطي انطباعاً بأنّ هذه السلعة حصلت على هذا «الامتياز» استناداً إلى نوعيّتها ومراعاتها للشروط الصحية، لكن المشكلة تبرز عند العودة مجدداً إلى الموقع الإلكتروني لـ Product Of The Year. شروط المسابقة المذكورة هناك توضح أنّ أهم معيار هو «الابتكار»، أي كل العوامل المتعلقة بشكل التسويق وطريقته.
قبل الغوص في دهاليز النسخة اللبنانية، تفرض مجموعة من الأسئلة نفسها في سبيل معرفة حقيقة الأمر: ما هي المعايير التي تُعتمد في إجراء هذا الاستطلاع، ومن هم الأشخاص الذين يشملهم، وما هو حجم العيّنة المختارة، وهل يمكن القول إنها تمثّل المستهلك اللبناني؟ هذه الأسئلة وغيرها حملناها إلى شركة «إيبسوس» الموكلة بهذه المهمة.
مديرة قسم الأبحاث والدراسات في الشركة، جانين نصّار، أكدت أنّ اختيار العيّنة يتم بشكل «علميّ ومدروس لتمثّل شرائح المجتمع اللبناني كافة، وذلك من حيث الجنس، والعمر، ومكان الإقامة وغيرها»، مشيرة إلى أنّ اختيار الأشخاص الذين يشملهم المسح يتم «وفقاً للتوزيع الديموغرافي الواقعي أيضاً. كما أنّ العيّنة التي تمثل المستهلك اللبناني تشمل أفراداً يبلغون من العمر ١٨ عاماً وما فوق». وأوضحت نصّار في هذا السياق أنّ العيّنة تتألّف من «١٢٠٠ شخص يتمّ اختيارهم عشوائياً وفق معايير دوليّة لاختيار العيّنات، وتُجرى معهم مقابلة وجهاً لوجه. خلال المقابلة يُجيب المستفتى على استمارة تضمّ مجموعة من الأسئلة، ليُصار بعدها إلى تقويم كلّ فئة من المنتجات على أساس ثلاثة معايير تتعلّق بمدى الابتكار في الماركة، ودرجة الإعجاب بها، والإحساس بالرضى عنها». وأضافت: إنّه بناءَ على ما تقدّم، تحصل الماركة التي تُسجّل أعلى نتيجة على لقب «منتج العام».
وإذا أردنا تجاهل الضجة الكبيرة التي أثيرت في الإعلام أخيراً حول صحة الإحصاءات التي تجريها شركة «إيبسوس» بخصوص نسب المشاهدة التي تحققها التلفزيونات اللبنانية، يبقى ضرورياً توجيه سؤال أساسي إلى المؤسسة المعنية بإجراء الإحصاءات المتعلقة بـ«منتج العام»: إلى أي مدى تُراعي «إيبسوس» قواعد الموضوعية في عملها هذا؟
ردّت جانين نصّار بالقول إن «إيبسوس» هي «شركة دراسات مستقلّة لا تنحاز إلى أي طرف في أيّ دراسة. نحن نعمل بطريقة علمية ونتّبع معايير دوليّة اكتسبنا من خلالها صدقية كبيرة من قبل عملائنا الذين نعتبرهم شركاء لنا». وتابعت: «لذا، فنحن نحرص على التزام الحياد في دراسة «منتج العام من المستهلك اللبناني» كما في دراساتنا وأبحاثنا كلها، ونعتمد الموضوعيّة الكاملة. وهذا ما جعلنا نحقّق نجاحاً مع كل عملائنا في لبنان والخارج».
إذاً، نصّار أيضاً ركّزت على «الابتكار»، متحدثة عن عيّنة مؤلفة من ١٢٠٠ شخص. عيّنة يعتبرها البعض «صغيرة» ولا تكفي لإعطاء لقب «منتج العام»، كما أنّ الملصق لا يذكر الأسس التي اختيرت على أساسها هذه السلعة كما يحصل في دول أخرى.
من أصحاب هذا الرأي رئيس «جمعية حماية المستهلك» زهير برّو. الأخير أكد في اتصال مع «الأخبار» أنّ استعمال مصطلحي «انتُخب» و«المستهلك اللبناني» يضلّل المستهلك، وخصوصاً أنّ الشركة توضح أنّها تجري «إحصاءً». هكذا، برأي برّو لا يمكن استخدام كلمة «انتخب»، سائلاً: «كيف يتكلّمون باسم المستهلك اللبناني، وخصوصاً أنّ من يمنح هذه الصفة هو شركة خاصة لا تملك حق الانتخاب»، ومعتبراً أنّ في الأمر مخالفة قانونية. ووضع برّو هذا الموضوع في إطار «خداع المستهلك»، مستنداً في رأيه إلى مضمون المادتين 11 و14 من قانون حماية المستهلك الصادر في 4 شباط (فبراير) عام 2005، علماً بأنّ الأولى تتعلّق بتحديد «مفهوم الإعلان الخادع»، أما الثانية فتتمحور حول «الإعلانات الخاصة بالسلع والخدمات».
ولفت برّو أيضاً إلى أنّ كل ما في الأمر هو أنّ الهدف يقتصر على «تأمين أرباح وإعلانات للشركات. أي باختصار تحقيق الأرباح».
كلام، يؤكده الموقع الإلكتروني نفسه، إذ نلاحظ حرصProduct of The Year على نشر إحصاءات تُظهر ارتفاع عدد مبيعات المنتج بنسبة تراوح بين ١٠ و١٥ في المئة على أقل تقدير بمجرّد حصوله على العلامة الحمراء، زاعمة أنّ الناس «ينجذبون بنسبة كبيرة إلى المنتجات الممهورة بهذا الملصق».
كذلك، نجد بسهولة كبيرة الشروط المالية التي يجب استيفاؤها لنجاح ماركة ما في هذه المهمّة. حين توافق اللجنة على إشراك المنتج الذي يسجّل دخوله «مجاناً» في المسابقة، عليه أن يدفع ٢٥٠٠ دولار أميركي لينتقل إلى المرحلة الثانية، ثم يجب على الفائز عن فئته دفع مبلغ ٨٥٠٠ دولار إضافيّة ليستعمل لوغو الشركة، علماً بأنّ اللجنة ــ أيضاً بحسب الموقع ــ مؤلفة من «مراقبين رائدين يقدرون الابتكار والمنافسة الأخلاقية»، كما أنّها تضم أسماء تتنوّع بين «مسؤولين حكوميين، واختصاصيين مشهورين في مجالات مختلفة مثل الصناعة والإعلام وغيرهما».
لكن برّو أخبرنا أكثر من ذلك. أكد لنا أنّ «القصّة تجارة» لأنّ البعض اختصر كل المراحل السابقة واشترى العلامة الحمراء بمبلغ وصل إلى «٣٠ ألف دولار. لقد تأكدنا من الأمر»، مشدداً على أنّ الجمعية لم تسكت عن الموضوع، بل سبق أن تواصلت مع وزير الاقتصاد والتجارة السابق نقولا نحّاس، متمنيةً «اتخاذ إجراءات فعليّة لحماية المستهلك إلى درجة المطالبة بوقف الأطراف الضالعة في الموضوع. وهي أطراف تعتبر مخالفة بلا ريب وفق قانون حماية المستهلك. كما أنّنا انسحبنا من آخر اجتماع لنا مع الوزير». في هذا الإطار، كرّر برّو دعوته وزير الاقتصاد الحالي آلان حكيم إلى التحرّك الجدّي، مشيراً إلى أنّه يرى أنّ «الموضوع واضح إلى درجة مضحكة»، مضيفاً: «في حال بقاء الدولة ساكتة، فهذا يعني أنّها شريك أساسي، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر. إنّها عملية خداع للمستهلك بكل ما للكلمة من معنى».
«الأخبار» حاولت الوقوف على موقف الوزارة، وما إذا كانت تضع هذا الموضوع على لائحة أولوياتها وعلى دراية بما يحصل، غير أنّها لم تنجح. فالوزير حكيم لم يكن على السمع، إذ يبدو أنّه كان مشغولاً بانتقاد حملة وزير الصحة العامة وائل أبوفاعور ضد المطاعم والمؤسسات المخالفة لمعايير سلامة الغذاء.
في المحصلة، يرزح المواطن اللبناني تحت وطأة مشاكل عدّة، أبرزها تلك المتعلقة بالمنتجات التي يستهلكها في حياته اليومية. وإلى حين قدوم الفرج، يبقى ضحية من يتقنون لعبة الخداع!




المنتج الأكثر إبداعاً

في شهر نيسان (أبريل) ٢٠١٤، «كرّمت» شركة Product Of The Year ٣٩ منتجاً استهلاكياً اعتبرت «الأكثر إبداعاً» بالنسبة إلى المستهلك اللبناني، وفقاً للإحصاء الذي أجرته شركة «إيبسوس». الفائزون هذا العام ينتمون إلى مجموعة واسعة من الفئات هي: مساحيق غسيل الملابس، مزيل العرق للنساء، كريم ترطيب الجسم، منتجات النظام الشمسي، لوازم الحيوانات الأليفة، اللحوم، الدجاج المنقوع، زيت الطهو، حليب الأطفال، مشروبات الصويا، البوظة، البهارات، الباستا ومسحوق غسيل الصحون والأواني، إضافة إلى: ثمار البحر المعلبة، الكستارد، صلصات الطعام، المكسّرات والدجاج الطازج. وعلى اللائحة أيضاً: جل الاستحمام، البيرة الخالية من الكحول، لحم اللانشون، البن اللبناني، الطعام اللبناني التقليدي، الشاي، الخضر المعلّبة، زيت الزيتون، الأرزّ، الحبوب، العسل والحلويات، فضلاً عن: المخللات، مطيّبات الطعام، الجلو، الخل والأطعمة المجلّدة.