تختلف نوعية اهتمام الناس عندما تتعلق الامور بالماديات، غير انهم يلتقون عند نقطة واحدة وهي فرحهم عند تلقيهم هدية. وتكون الهدية اما وسيلة تعبير، او بمثابة تقليد وعادات لدى كثيرين لا علاقة لها بالمشاعر، واحياناً اخرى تكون واجباً وأحياناً أخرى مصدر منافسة. ولكن وفي كل الاحوال تبقى للهدية اهمية كبيرة للاطفال الذي بالنسبة اليهم، الهدية هي تحقيق حلم ربما يمتد من سنة الى اخرى.


وللكبار تشكل الهدية نقطة ضعف كونها مصدر فرح حتى وان كان آنياً، فيكفي الشعور ان هناك من يهتم لأمرك.
ساهم المجتمع فعلياً بالتركيز على الهدية واعطائها اهمية كبرى اكثر من المعنى والرمز الحقيقي للعيد. فاصبح اللبنانيون في هذه الفترة من السنة يتكبدون عناء من اجل اختيار الهدية المناسبة لاحبائهم، ويكرس بعضهم جزءاً كبيراً من راتبه لشراء الهدايا.
يخضع اختيار الهدية لعوامل عدة، لعل أبرزها هو الاقتصادي. ففي هذا الشهر من كل عام، يكون من الصعب ان يرصد اللبنانيون ميزانيات خاصة عند اختيار الهدايا، غالباً ما يكون الاقتطاع من الراتب الشهري.

الجانب الروحي

قبل الغوص في الاعباء المادية التي يتحملها الناس خلال هذه الفترة، لا بد من الاشارة الى اهمية الجانب الروحي ورمزية الهدية في عيد الميلاد.
من هنا، للكنيسة ورجال الدين رأي ليس ببعيد من الناس والحياة اليومية، اذ يعتبر المونسينيور نبيه الترس" ان الهدية بحد ذاتها منطلق ايجابي لأنها وسيلة تساعد الناس ليحملوا وينقلوا الفرح الى بعضهم. ان رمزية الهدية مهمة ولذلك فهي تقدم بالمناسبات الخاصة والمهمة للافراد".

ساهم المجتمع فعلياً بالتركيز على الهدية واعطائها اهمية كبرى اكثر من المعنى والرمز الحقيقي للعيد

ويضيف "اذا ما استوفت الهدية كل هذه الشروط، لا تعود تطمس وتخفض من اهمية الحدث الاساسي، وبالتالي لا تكون هي الحدث نفسه بل تبقى وسيلة تدل على الفرح بالعيد وعلى المحبة بين البشر".
ويؤكد انه "في عيد الميلاد على الهدايا أن ترمز الى العيد... من هنا نأخذ المعنى الروحي مما هو مادي في الاصل. ولكن اذا لم تكن تدل على رسالة معينة وذات قيمة خاصة فعندئذ تصبح هي الغاية وتقفد دورها الذي كانت من اجله".
اذا ليست الهدية بحد ذاتها هي من تبعد الناس من روحانية العيد، بل من زيادة الاهتمام بالجانب المادي تفقد الموضوع رمزيته.

آراء مختلفة

حالياً، وفي ظل الاوضاع الاقتصادية الصعبة السائدة، لا بد للبنانيين ان يحسبوا جيداً بدل الهدايا التي سيقدمونها في العيد. وبين الواجب والضرورة وعربون المحبة اختلفت الآراء وتضاربت، فمنهم من يعتقد انها عبء مادي لا جدوى روحياً منه، ومنهم من يظن انها مهمة واساسية للتعبير عن المحبة ونشر الفرح، في حين يرى آخرون ان اختيار هدية العيد المناسبة تشكل فرحاً ومتعة للطرفين...
"الهدية ليست واجباً بل مناسبات يتبادل فيها الناس مشاركة افراحهم، غير ان افضل هدية تبقى العلاقة بين الناس، ولكنها واقع فرض نفسه، وبالتالي لم يعد منها من مهرب. هذا ما تعتقده جوي الحاج، وتضيف: "ان المجتمع هو الذي ينمي الناحية المادية من العيد كون الاهل يعودون الطفل منذ صغره على ارتباط الهدية بالعيد".
من جهته، يعتبر راي صقر ان "الهدية لا تحمل اي طابع روحي بل ان الهدف منها مادي بحت"، ويقول: "للاسف في السنوات الاخيرة اصبحنا نتحضر مادياً قبل اشهر من اجل شراء الهدايا. واصبح هذا الامر يشكل عبئاً ثقيلاً بالنسبة الى كثيرين صوصاً ذوي الدخل المحدود، غير ان الهدية فرضت نفسها واقعاً".
وعن الأمر، تؤكد نور اسطفان ان الهدية امر اساسي بالنسبة اليها، ولا تتخيل ان يمر عيد الميلاد من دون ان تتلقى الهدايا كما وان تقدم الهدايا الى من تحب، لأن هذا ما يجعلها تشعر بانها محاطة باشخاص يحبونها ويهتمون لأمرها.
بدوره يشير شارل سعاده إلى "ان الهدايا في العيد قضمت راتبه بالكامل في ظل الغلاء المعيشي، حيث كل الاسعار مرتفعة بخاصة الكماليات،" وهو مضطر لمسايرة الوضع مثل الجميع، غير انه يفرح عندما يرسم البسمة على وجوه من يحب، لكن ولو عاد الامر اليه لكان قد الغى هذه العادة".
في المقابل، يعتبر كريستيان عيد "ان الهدية شيء سخيف ولا تمت إلى العيد بصلة، لان رمزية العيد روحانية وليست مادية والهدية ليست واجباً دينياً وبدلاً من ان نقوم بشراء هدايا لبعضنا لماذا لا نعيش المعنى الحقيقي للعيد ونتبرع بالاموال الى الفقراء والمحتاجين فنزرع الفرح في قلوبهم. ان العيد ليس بالهدايا حتى وان كان المجوس قد اهدوا السيد المسيح ولكن ليس علينا ان نأخذ العادات كما هي من دون تفكير".
ويتابع: "ليست هناك اية جدوى من الهدية الا الجانب المادي ويجب الغاؤها من العادات اللبنانية،" غير انه مضطر ومجبر على شراء الهدايا للمقربين بالرغم من انه يعارض هذه الفكرة.
الى ذلك، يقول غسان النمر: "ان فكرة الهدية بدأت مع القديس نقولا الذي كان يوزع الهدايا على الفقراء. من هنا، في الاساس ان الفكرة معنوية ومن ثم انتقلت واصبحت وسيلة تعبير بين افراد الاسرة والاصدقاء. لذلك لا بد من ان تكون مختارة بعناية، وبغض النظر عن القيمة المادية ولكن فعل اختيار الهدية يدل على محبة الشخص واهميتة".
في الاطار عينه، يعتبر كريستيان هاشم "ان الهدية كونها واجباً اصبحت بالتالي تشكل عبئاً اقتصادياً بالنسبة الى عائلات كثيرة هي مجبرة رغماً عنها على شراء هدية الى الاقارب او الجيران كنوع من المسايرة، والسبب في ذلك عائد الى كوننا مجتمعاً مزيفاً يهتم بالكماليات ويهمل الجوهر".
ميراي الياس تقول: "ان ليس من الضروري ان تحمل الهدية هدفاً روحياً او مادياً بل يمكن أن تكون وسيلة يعبر من خلالها الهادي عن نوع من العاطفة او المودة تجاه الآخرين".
اما تانيا مخول، فتظن: "ان للهدية في زمن الميلاد معنيين: الاول بما ان يسوع هو هدية الرب لنا تشبهنا بالمجوس الذين قدموا الهدايا الى ملك الاكوان، الثاني تشبهنا بالقديس نقولا و بـ"سانتا" الذي يحثنا على تقدمة الهدية ومساعدة بعضنا في اجواء المحبة. في كلتي الحالتين واذا ما فكرنا بواقعية لا بد من ان يأخذ المنحى المادي مكانة خاصة في زمننا الحاضر ولكن لا يجب ان نذهب لحد التطرف في الامور بل على العكس. من الجميل شراء الهدايا ورسم البسمة على وجوه من نحب وفي الوقت عينه لا نهمل معنى العيد الحقيقي".
يبدو أنه، من الصعب تغيير امور اصبحت اساسية بالنسبة للجميع مهما اختلفت الآراء وكثرت وجهات النظر حول موضوع الهدية. ولكن يبقى الرجاء في ان يفكر الناس بنوعية هدية تحافظ على رمزية خاصة مرتبطة بالعيد لئلا يفقد معناه الحقيقي، على ان يعد كل انسان الهدية التي يرغب هو نفسه بالحصول عليها...



روحي أم مادي

كما في كل عام، يأتي العيد محملاً بالفرح، ويرمز الميلاد بامتياز الى العائلة ويعود ليتمحور حولها كما الى المحبة بين الناس.
من التقاليد الموروثة والتي لها اهميتها بغض النظر عما اذا كانت تتعلق بالشق الروحي او المادي، "الهدية" والتي لا نزال نجهل زمان وسبب رمزيتها في زمن الميلاد: سواء اكانت مرتبطة بالمجوس الذين قدموا الهدايا الى طفل المغارة ام بتقاليد موروثة تلت تلك الحقبة. غير ان الاكيد ان"هدية العيد" كانت ولا تزال تحتل الحيز الاكبر من اهتمام الجميع كباراً وصغاراً لانها تعتبر وسيلة مهمة يعبّرون من خلالها عن محبتهم لبعضهم.
وتختلف قيمة الهدية واهميتها ومعناها ومضمونها بحسب اختلاف الاشخاص واعمارهم واوضاعهم المادية وفئاتهم الاجتماعية.