حياتنا اليومية هي عبارة عن سلسلة متواصلة من المواقف التفاوضية. حتى أبسط الأمور التي قد تبدو عادية في نظرنا ومجرد دردشات وأحاديث روتينية هي في صميمها عمليات تفاوضية نجريها مع الباعة والمصارف والمدارس... وصولاً إلى سائقي التاكسي والمحال التجارية حتى داخل المنزل. وللتفاوض شروط وهيكليات قد تساعدك إن أتقنتها في تسيير شؤونك وتحقيق أهدافك مهما تعددت، ومنها المالية بالدرجة الأولى طبعاً.

أنت تفاوض في كل لحظة من حياتك. والتفاوض فن يدرس ويعلّم في الجامعات وتوظف الحكومات والشركات والمنظمات والمؤسسات أشخاصاً مختصين بعلم التفاوض لترجيح كفتها التفاوضية مقابل الطرف الآخر. الخطوات التي سنستعرضها تساعدك إن عملت بها وأخذتها في عين الاعتبار في تفعيل قدراتك ومنحك ثقة أكبر بالنفس للوصول الى مبتغاك في شتى المجالات الحياتية.

تعريفه

يعرف روبين وبراون التفاوض بأنه «عملية يقرر بمقتضاها كل طرف من أطرافها ماذا سيقدم للآخر، وما الذي سوف يتقاضاه منه في المقابل». بمعنى آخر تستند المفاوضات إلى التواصل بين اطراف قد «تلتقي مصالحها من دون أن تتطابق» بهدف التوصل الى اتفاق. وإذا أردنا حصر التعريف بالشؤون المالية يكون الهدف من التفاوض التوصل الى اتفاق بشأن المال قد يكون بين تجار، بين المصارف وعملائها، بين أفراد الأسرة...

لكل الأهداف بما فيها المصرفية والمالية

التفاوض يفرض التقاء ارادتين أو أكثر بهدف الوصول لنتيجة مرضية يشعر كل طرف فيها أنه خرج منتصراً ولم يتعرض للظلم والغبن. في الكثير من الأحيان قد يبدو لنا التفاوض عبثياً إن أخذنا في الاعتبار موازين القوى التي قد لا تميل لصالحنا. لكن تذكر دائماً أنه وطالما أن لكل طرف هدفاً لا يقدر على تحقيقه منفرداً فإن التفاوض قائم وأنت بالتالي لست مجرداً من أي أوراق قوة.
فلو أخذنا على سبيل المثال علاقة العملاء بالمصارف لا يمكن تصور مصرف من دون عملاء، وكما أنه من مصلحة العميل الحصول على خدمات مصرفيّة معيّنة فمن مصلحة المصرف عدم خسارة عملائه والسعي الى إرضائهم.
عندما يكون للعميل سجل نظيف وتاريخ ائتماني جيد فهذا يخوله الاستفادة في حال رغب بذلك من خدمات مصرفية أكثر تطوراً تخدم راحته الشخصية وتؤمن قيمة مضافة لعمله مع تقدمه على الصعيد المهني ونمو مداخيله وإيراداته.
وعلى الرغم من الشروط ومعايير الأهلية المحددة مسبقاً، فإن العميل يملك هامشاً من الحرية يتيح له التفاوض للحصول على منتجات وخدمات مصرفية تتلائم مع التغيرات التي قد تطرأ على نمط حياته وتناسب حاجاته في ميدان الأعمال، أو حتى الاستفادة من الخدمات والمنتجات المصرفية عينها ولكن بسعر أقل وامتيازات أكبر.
هامش التفاوض لدى العملاء الجديرين بالثقة يصبح مع الوقت أكبر، ما يجعل المصارف أكثر تقبلاً واستعداداً للاستماع الى مطالبهم والسعي الى تحقيقها ويسّهل من عملية حصولهم على خدمات أكثر تميّزاً وتطوراً.
وعلى سبيل المثال يمكن للعميل استخدام مهاراته التفاوضية في حالة من الحالات التالية:
1- إذا رأى العميل أن مصرفاً آخر غير المصرف الذي يتعامل معه قد يعرض عليه صفقة أفضل، يمكنه في هذه الحالة أن يعرض الموضوع على مصرفه للحصول منه على الصفقة نفسها، خاصة أنه يكون قد اعتاد التعامل مع المصرف وبنى علاقات وصداقات، والمصرف من جهته سيتجنب خسارة العميل.
2- إذا كان العميل صاحب عمل أو مؤسسة ويسعى الى تطويرها، وهو قد بنى سجلاً ائتمانياً مع المصرف من خلال الحصول على قروض اعمال ولكنه يريد توسيع وتطوير اعماله عبر تمويل إضافي، يمكنه التفاوض مع المصرف للحصول على تمويل ميسر وبكلفة أقل، أو حتى الحصول على قرض أعمال مدعوم.
3- إذا كان العميل معتاداً على السفر المتكرر سواء للترفيه والاستجمام أو للعمل فبإمكانه أن يطلب بطاقة ائتمان متميزة والتمتع بمزايا السفر العديدة التي توفرها.

الخطوات النظرية للتفاوض


1- تحديد القضية التفاوضية
معرفة القضية المتفاوض بشأنها وعناصرها وعواملها، تُعتبر الخطوة الأولى في مسار التفاوض.
2- تحديد الطرف المقابل
معرفة الجهة التفاوضية المقابلة أمر محوري كي تتمكن من دراسة وتحليل نقاط قوته وضعفه ومحاولة تصور واستنتاج ما هي حدود التنازلات التي قد يصل إليها وما هي المواضيع التي يصعب أن يساوم عليها بما يساعدك في رسم استراتيجيتك.
3- تحديد ما تريد
في الكثير من الأحيان قد تعتقد أنك مدرك فعلاً لأهدافك الأساسية. لكن عوامل عدة قد تؤثر في نظرتك وتؤدي بك الى إضاعة البوصلة. اعرف جيداً ماذا تريد. حدد مسبقاً الخطوط الحمر التي لا يمكنك تجاوزها أو القبول بها، والمحصلة النهائية التي قد ترضيك.
4- كيف تحقق ما تريد؟
اسأل نفسك هل يمكنك تحقيق ما تريد دفعة واحدة؟ وفي حال كان الجواب سلبياً حدد الأهداف المرحلية الأساسية التي تسعى الى تحقيقها والتي تشكل أولوية بالنسبة إليك.
5- بناء الثقة
إن أي محاولة للتفاوض باعتبار أنك إما تحقق كل ما تريد أو لا داعي للتواصل مع الطرف الآخر ستكون نتيجتها الحتمية الفشل. فكما أن لك مطالب معيّنة تذكر أن للطرف الآخر مطالب وإلا ما كانت وجدت الحاجة للتفاوض أساساً. من هنا فإن الانفتاح وبناء الثقة مع الطرف الآخر وجهوزيتك المسبقة لإرضائه وتقديم بعض التنازلات التي لا تمس بجوهر موقفك تعتبر أساسية لنجاح المفاوضات.
6- تدعيم موقفك
محاولة تعزيز موقفك ببعض البيانات والدراسات والإحصاءات أو اللجوء الى رأي خبير في الموضوع قد تساهم في تدعيم وجهة نظرك.