مشكلة السعودية أن رياحها الاقتصادية تجري بما لا تشتهيه سفنها السياسية. في السياسة، توجد دوماً مساحة للمكابرة والعناد ومحاولة التستر على الوقائع والحقائق. لكن للاقتصاد، وعلى المدى الطويل، القدرة على إعادة تصويب البوصلة وكشف المستور. يحق للمملكة القول إنها بخير، يحق لها التعامي عن مشاكلها، ويمكنها التهديد والتخطيط لشنّ حروب، لكنها لا تستطيع إقناعنا بأن ما تقوله صحيح، لأنه، وبكل بساطة، معضلة السياسة الأساسية أن الأرقام تقف لها بالمرصاد وتعرّيها... ولغة الأرقام تشير الى أن الاقتصاد السعودي يعاني.

لا يكاد يمر يوم إلا ونسمع قصة جديدة عن مشاكل مالية في السعودية. منذ فترة، طفا على واجهة الأحداث تخلّف مجموعة بن لادن العملاقة، أكبر شركة مقاولات سعودية، عن دفع رواتب موظفيها الذين يقدر عددهم بنحو 200 ألف لأكثر من ستة أشهر. قبل ذلك، عانى موظفو "سعودي أوجيه"، ثاني أكبر شركة مقاولات في السعودية، من الوضع نفسه مع تخلّفها عن تسديد رواتب موظفيها البالغ عددهم 56 ألفاً. معاناة قطاع المقاولات السعودي مرتبطة عضوياً بشحّ الإنفاق الحكومي، في ظل المساعي لمواجهة التراجع الحاد في اسعار النفط الذي يشكل الركيزة الأساسية للاقتصاد، وذلك من خلال الحد من الإنفاق الذي انعكس سلباً على القطاع الذي يعتاش، في شكل كبير وأساسي، على الأعمال والمشاريع المموّلة من الحكومة.
في الحالات الطبيعية، تبدو هذه الحوادث عرضية كونها قد تصيب أي قطاع في أي دولة. لكن حين تضاف إليها أرقام العجز الخيالية التي سجلتها الميزانية السعودية والسعي الجاد لرفع الدعم عن المحروقات وفرض ضرائب على القيمة المضافة وعلى أرباح الشركات والاستعانة بأموال الصناديق السيادية واللجوء الى الاستدانة المحلية، يصبح من المستحيل تجاهل هذه المعطيات وتصديق بعض الشعارات السياسية الرنانة.

أزمة سيولة

الأخبار المتداولة عن سعي السعودية، للمرة الأولى منذ أكثر من عقد، للحصول على قرض خارجي يرجح أن تصل قيمته الى نحو 10 مليارات دولار مؤشر على أزمة السيولة التي تمر بها المملكة. صحيح أن الرقم في حدّ ذاته، بالنسبة إلى اقتصاد بحجم الاقتصاد السعودي وحجم احتياطات المملكة الضخمة، لا يعتبر كبيراً ويمكن وصفه بالاقتراض المعتدل، بحسب الخبير الاقتصادي إيلي يشوعي، إلا أنه "يعبّر عن نقص في السيولة إن كان في القطاع المصرفي أو في القطاع الخاص بسبب الضغط على السيولة الذي سببه اقتراضها الداخلي". ويلفت يشوعي الى أن الاقتراض الخارجي هو الحل المتبقي أمام السعودية كون نظامها الضريبي غير فاعل نظراً إلى الفورة المالية والاقتصادية التي كانت تتمتع بها. وهي وفي حال رغبت في استحداث ضرائب إن كان على الاستهلاك أو على الأرباح، وخصوصاً أرباح الشركات، فإن الأمر سيحتاج الى سنوات، فيما باتت إمكانيات الاقتراض من الداخل محدودة.

المصارف في الواجهة

بعدما خفضت وكالة التصنيف الائتماني "ستاندر إند بورز" تصنيف السعودية من A+ إلى A-، والذي طاول ثمانية مصارف كبرى خُفض تصنيفها؛ من بينها البنك الأهلي التجاري السعودي، أكبر البنوك السعودية من حيث قيمة موجوداته، وذلك بسبب النظرة السلبية لأسعار النفط وتأثيرها على النمو الاقتصادي المرجح أن يستمر في التباطؤ، إضافة الى التوقعات بارتفاع نسب عجز الموازنة حتى نهاية العام 2016.
وعلى المنوال نفسه، أعلنت وكالة "موديز أنفستورز سيرفيس" للتصنيفات الائتمانية أنها وضعت التصنيفات الائتمانية الطويلة الأمد لخمسة وعشرين بنكاً في منطقة الخليج قيد المراجعة من أجل خفض محتمل، من بينها 11 مصرفاً في السعودية. وبررت "موديز" قرارها بأن "احتمال انخفاض الجدارة الائتمانية لحكومات الدول المصدرة للنفط" يشير الى احتمال تراجع قدرة هذه الحكومات على تقديم الدعم للبنوك في أوقات الأزمة.
علمياً، كل هذه المؤشرات ليست كافية للحديث عن أزمة شاملة ولرسم سيناريوات دراماتيكية عن وضع الاقتصاد السعودي. لكن، وكما أشارت "موديز"، فإن الخطط الحكومية السعودية لن تكون كافية على الأرجح للحفاظ على قوة الاقتصاد. عوارض المرض أصبحت بادية للعيان ولا يمكن إخفاؤها.
(الأخبار)