رسم الفرنسيون اللوحة الزمنية لتاريخ القطار في لبنان منذ عام 1895، بعد صراعٍ دوليٍّ على تلزيم مدّ خطّ سكة الحديد، وشراء فرنسا حق الاستثمار من اللبنانيّ يوسف أفندي بيهُم. هكذا أنشئ أوّل خطّ على طريق بيروت الشام، ليصل عام 1906 إلى حلب قبل شقّ خط طرابلس عام 1911 ووصله بتركيا عام 1912، ما ربط لبنان بأوروبا قبل مئة عام. السؤال اليوم: كم من الممكن ان تتغير حياة الكثيرين لو كان لدينا قطار؟

فاطمة حميّد
لم تدم هذه اللوحة الجميلة كثيراً، إذ سرعان ما مزقتها الحرب الأهلية، لتغدو لدى اللبنانيين مجرد صورة في الذاكرة.
بعد أن أصدر مجلس الوزراء قراره رقم 43/2006، الذي يقضي بإزالة جميع التعديات عن أملاك سكة الحديد بالتعاون مع لجنة عينها قوامها وزراء الداخلية والمالية والدفاع، عادت حرب تموز 2006 لتبقي القرار معلقاً حتى يومنا هذا.
لم يمنع هذا السبب مصلحة سكة الحديد من المطالبة مراراً بإعادة إحياء هذا المرفق، علَه يساهم في حل مشاكل النقل الكثيرة في البلد. أُعدّت الدراسات والمشاريع بغية التنفيذ، إلا أن قراراً سياسياً حال بينها وبين إعادة الإعمار، فماتت الأبحاث أيضاً.

لا سلبيات


أكثر من 20 سنة مرّت على غياب القطارات عن السكك في بلدنا. اعتاد اللبنانيون على أزمات السير التي غدت بمثابة مصدر اختناق يومي لهم، فهل يساهم وجود قطار في حل أزمة النقل في لبنان؟
يؤكد رئيس نقابة عمال ومستخدمي النقل المشترك في مصلحة سكة الحديد ريمون فلفلي أن لا سلبيات لمشروع القطار في لبنان، بل إن "فوائده كبيرة بالمساهمة في الحد من التلوث البيئي، وخفض كلفة السلع والخدمات، كذلك الحد من حوادث السير التي تودي بحياة المواطنين من دون سابق إنذار، إضافة إلى تأمين المشروع ما لا يقل عن 4000 إلى 5000 فرصة عمل، وإعادة إحيائه يساهم في تحريك العجلة الاقتصادية".
من جهته، يقول المسؤول في قلم النفقات في وزارة الأشغال العامة والنقل أسعد المولى إن السياسيين "يعيدون البلد إلى العصر الحجري بإنشغالهم بإتمام الصفقات، ولو كان القطار واحداً منها لكان موجوداً منذ سنوات".

لا بديل من القطار

لم تجد المصلحة حلاً بديلاً من القطار سوى باصات النقل المشترك، فخصصت عدداً منها لنقل المواطنين إلى نقاط محددة في مختلف المناطق اللبنانية، وفي هذا السياق يشرح فلفلي: "لدينا 40 حافلة يتم تسييرها على الخطوط في بيروت والبقاع، علماً أن مردودها ضئيل جداً، بالتأكيد القطار هو الأفضل، فعلى صعيد نقل الركاب نتكلم عن وسيلة نقل لا تتوقف، بل ترتاح لساعات محدودة فقط، ومواصفات تليق بالمواطن، فتؤمن خدمة نقل عصرية ومنتطمة".

تتراوح كلفة النقل في القطار بين 250 و500 ل.ل.

من حق الفقير أن يشتكي من معاناته في التنقل من منطقة إلى أخرى، إذ أن دخله أقل من رسم التنقل في باصات النقل العمومي، هنا يلفت وهبي الى أن "كلفة النقل في القطار زهيدة جداً تتراوح بين 250 و500 ل.ل أي أنها أقل بكثير من الرسم العادي الذي بات اليوم 2000 ل.ل".

الدولة هي السبب

لا ينفك الحديث عن تقاعس السلطات عن أداء مهامها، حتى تلوح في أفق المواطن الكثير من المشاريع المطروحة والمؤجلة، "وضعنا خطة مشروع النقل العام للركاب ضمن بيروت الكبرى ومشروع النقل السريع على الخط الساحلي، إلا أنه تعذر إيجاد التمويل الداخلي اللازم لمباشرة التنفيذ"، يقول فلفلي.
بدوره، يشير المولى إلى إهمال السلطات لإزالة التعديات عن سكة الحديد: "يجب البحث عن التعديات التي تعيق وجود القطار، والتي لا تلتزم السلطات اليوم بإزالتها، كما يجب ألا ننسى عزم بعض السياسيين بيع أراضي السكة التي تعادل قيمتها 10 مليارات دولار بغية تغطية عجز في الدولة".
وتتوحد الإجابة لدى فلفلي والمولى على الحاجة القصوى إلى "قرار سياسي كبير على مستوى وطني لإعادة إحياء سكة الحديد وإزالة التعديات عنها".

كلفة مقبولة ومساحة كافية

أدت عودة الحديث عن ضرورة تأهيل وإنشاء سكك حديد في لبنان إلى تدفق الدراسات لاحتساب كلفة المشروع بغض النظر عن النية من ورائه، وهنا يشير فلفلي إلى أن "الكلفة تتراوح بين 20 و30 مليون دولار، وتتضمن بناء سكك الحديد كلها، المحطات وكل توابعها، القطارات، الرصد، أجهزة الاتصالات والحواسيب، وغيرها من المستلزمات اللوجستية".
إن مساحة الـ 10452 كلم2 كافية لوجود القطار وتجواله في الأراضي اللبنانية، فبالنسبة الى المولى "لا مانع من ذلك حكماً، طالما أن سكة الحديد موجودة، نتحدث هنا عن مساحة كبيرة تعادل 160-180 كلم2، مثلاً من بيروت إلى الهرمل، أو من الشمال إلى الجنوب".
في ظلّ وضع النقل المشترك المتأزم، يبقى القطار حلماً لن يتحقق إلا في خيال اللبنانيين. تلك القطعة الأثرية لم تعد أكثر من مجرد كتل حديدية صدئة، وستبقى الدولة عاجزة عن طرح أي حل عملي من شأنه تطوير قطاع النقل العام، فيسمح بتخفيف العبء الاقتصادي والنفسي عن كاهل المواطن اللبناني...