يعزى تغيّر المناخ إلى ازدياد تركيز الغازات الدفيئة في الجو، مثل ثاني أوكسيد الكربون، منذ بدء الثورة الصناعية في القرن الثامن عشر وما رافقها من تطور في وسائل النقل التي عرفت ذروتها في الأعوام الـ150 المنصرمة. وأدى الاعتماد على النفط مصدراً أساسياً للطاقة، واستخراج مليارات الأطنان من الوقود الأحفوري (المصدر الأساسي للغازات الدفيئة) وحرقها، إلى إطلاق ثاني أوكسيد الكربون في الجو بكميات هائلة، وبالتالي إلى رفع حرارة الكوكب 1.2 درجة مئوية مقارنة بمستويات ما قبل الثورة الصناعية.
لبنان ليس في منأى عن ظاهرة التغير المناخي التي تطاول كل الدول، المتقدمة والنامية، وهو دخل في قلب المعادلة المناخية العالمية من خلال مشاركته في مؤتمر المناخ الذي عقد في باريس نهاية العام المنصرم، وفيه تعهدت الحكومة اللبنانية بالعمل على التخفيف من الاحتباس الحراري ومواجهة التحديات المستقبلية المتعلقة بانعكاساته على المياه والطاقة والتغذية.
ولكن، عملياً، لا نزال بعيدين عن بنود قمة باريس للمناخ. فمع حلول عام 2020، سيشهد لبنان زيادة خمس درجات في الحرارة، وانخفاض الأمطار بنسبة 40%، و18 يوماً إضافياً من الجفاف. كذلك سيسجل القطاع الزراعي تراجعاً بنحو 300 مليون دولار، ما يعطي صورة واضحة عن الأكلاف التي ستسجل في القطاعات الأخرى، ولا سيما الصحية والسياحية. لذلك، بات اعتماد الاقتصاد الأخضر ضرورة ملحّة أكثر من أي وقت مضى تُحتّم العمل على وضع التشريعات اللازمة ورسم السياسات الرامية إلى زيادة الاستثمارات في هذا القطاع، علّ التغيير المرجو يغيّر مصيراً محتماً.

أكثر من الدين العام

177 مليار دولار تكاليف زيادة الأمراض وحالات الوفيات المتعلقة بتغير المناخ

يؤكد عدد من الخبراء أن نسبة التصحر ازدادت خلال الأعوام الـ50 الماضية بنحو ثلاثة أضعاف مقارنة مع ما كانت عليه في السابق، ما معناه أنّ نمط المعيشة الذي يعتمده اللبنانيون يتضارب مع ما تستطيع أن تُقدمه الطبيعة لهم من موارد أولية واستيعاب مخلفات الاستهلاك المُفرط لغالبية المنتجات.
وبحسب دراسة أطلقتها وزارة البيئة، بالتعاون مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي حول التداعيات الاقتصادية لتغير المناخ على لبنان، فقد تصل كلفة الأضرار التي قد يلحقها تغير المناخ على الاقتصاد اللبناني في مجال الزراعة والطاقة والسياحة والصحة إلى 50 مليار دولار عام 2020 وإلى أكثر من 80 ملياردولار عام 2040 إذا لم تتخذ الحكومة تدابير سريعة وجدّية لخفض انبعاثات الغازات الدفيئة.
وستتحمل الدولة اللبنانية نحو 26 مليار دولار من هذه الأعباء، فيما سيتوزع الباقي على الأسر اللبنانية التي ستدفع ما لا يقل عن 60 ألف دولار سنوياً، وقد تتخطى 100 ألف دولار في حال إصابة أحد أفراد العائلة بأمراض سرطانية أو أوبئة.
عن الموضوع يقول الخبير البيئي إيلي أبو سليمان: "للارتقاء بثقافة الاقتصاد الأخضر إلى المستوى المرجو، لا بدّ من تعاون جدي بين القطاعين العام والخاص، ولا سيما على الصعيدين التشريعي والتنفيذي. هذا التعاون يشمل توجيه الاستثمار نحو الصناعات والتكنولوجيا الخضراء، إضافة إلى العمل على تعزيز الوعي حول أهمية البيئة المستدامة في رفع إنتاجية الشركات وتشجيعها على التزام مسؤوليتها الاجتماعية". ويضيف: "أصبح لبنان في مرحلة متقدمة من ظاهرة التغير المناخي، لذا بات إيجاد الحلول لهذه المعضلة صعباً، خصوصاً أننا لا نزال بعيدين عن اعتناق ثقافة الاقتصاد الأخضر والتزام سياسة بيئية جدّية وواضحة الأطر والمعالم، ونكتفي بتبني حلول بيئية مأخوذة من دول أخرى بغض النظر عن مدى نجاحها ومدى إمكانية تطبيقها هنا".

أمراض وحالات وفاة

ويشير خبراء متابعون لهذا الملف إلى أن التغيرات المتوقعة في المناخ ستفرض حكماً تكاليف اقتصادية ناجمة عن ارتفاع في درجات الحرارة وانخفاض المتساقطات، إضافة إلى انخفاض الإنتاج الزراعي والتأثير سلباً بصحة الإنسان، وبالتالي ارتفاع الفاتورة الصحية. وتضاف إلى ذلك الأضرار المسببة لإبطاء النموّ الاقتصادي وانخفاض إجمالي الناتج المحلي اللبناني وتراجع حركة نشاط قطاع الأعمال. كل هذه التأثيرات من شأنها أن تخفف من المداخيل المعيشية للأسر وتسبّب انخفاض إيرادات الدولة وارتفاع التكاليف.
وستشكل الآثار المحتملة على صحة الإنسان في عام 2020 مخاطر جمّة. فالتكاليف المرتبطة بالزيادات المحتملة لأخطار الوفاة نتيجة الإجهاد الحراري وسوء التغذية والإسهال والملاريا والفيضانات والأمراض القلبية الوعائية ، قد تصل إلى 47 مليار دولار. أما التكاليف المرتبطة بالزيادات المحتملة للأمراض السرطانية وحالات الوفيات المتعلقة بالمناخ فستصل إلى 177 ملياراً، لأن نسبة كبيرة من الأشخاص لن تكون قادرة على تأمين كلفة الغذاء والطبابة.
الخبير البيئي بول أبي راشد يرى أن "المطلوب رفع وعي مجتمع الأعمال والمستهلكين بأهمية الممارسات المستدامة وضرورة تطبيقها انطلاقاً من أهمية الدور الذي تؤديه الاستدامة في نمو الأمم وتطورها. ورغم خطورة هذه الأرقام، إلا أنها غير مستغربة في لبنان، حيث لا تزال أصوات كثيرة تطالب بإقامة المحارق والمطامر التي تُسهم في زيادة الاحتباس الحراري بنسبة 25%".
اللافت أن عمليات التخطيط ووضع القرارات والسياسيات الوطنية لم تشمل تأثيرات تغيّر المناخ على نحو وافٍ، رغم التحذيرات المتواصلة، فيما يستمر لبنان بدفع نفسه نحو التهاوي البيئي والاقتصادي. فكيف سيتمكن من التزام بنود اتفاقية المناخ العالمية؟ وهل يعطي فاقد الشيء ما هو مطلوب منه؟