لا مكان للحالمين بمواقف بطولية في زمن «سكرة المال». إنه عصر المصالح والماديات. زمن الشركات والاستثمارات والعلامات التجارية العابرة للحدود ... لطالما كان الأمر كذلك، لكن وطأته اليوم ... أكثر من ذي قبل.

ليست القضية صراعاً بين سلطان حالم وقيصر عائد. الصراع بين الكيانين بقِدَم الاحتكاك بين القبائل التركية والسلافية على طول حدود البحر الأسود وجبال القوقاز إن لم يكن أكثر ... ودوماً كان الاقتصاد ينتصر في الميدان ... كذلك في الجو اليوم.

للكثيرين الذين جلسوا يترقبون شكل الرد العسكري الروسي على إسقاط تركيا طائرة السوخوي ... كانت المفاجأة أن أول ما تفوّه به فلاديمير بوتين بعد الحادثة أنه يطلب من رعاياه الروس عدم السفر إلى تركيا ... رد سياحي إذاً. تلاه حديثه عن إلغاء عدد من المشاريع المشتركة المهمة بين البلدين، ولمّح إلى أن الشركات التركية قد تخسر حصتها في السوق الروسية ... هنا مكمن الحكاية كلها. الصواريخ الاقتصادية أشد فتكاً.
أكثر الردود فكاهة كان ما نقل عن أن هيئة مراقبة الأغذية الروسية ستعمل بطلب موسكو تشديد الرقابة على الأغذية المستوردة من تركيا ... يا للهول!!!

■ ■ ■


بين روسيا وتركيا ... لطالما كان الاقتصاد أقوى من السياسة.
بالأرقام:
حسب إحصائيات صادرة عن وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية CIA، تعدّ تركيا الشريك التجاري الخامس للاتحاد الروسي في 2014، حيث تستقبل حوالى 5% من الصادرات الروسية، والتي تمثل أكثر من 10% من الواردات التركية.
روسيا اليوم بالنسبة إلى تركيا، الشريك الاقتصادي الثاني بعد ألمانيا.
بلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين في العام الماضي 32.7 مليار دولار، ووصل إلى 18.1 مليار دولار للأشهر التسعة الأولى من العام الحالي، وكان أردوغان يطمح إلى أن يرتقي به إلى 001 مليار دولار عام 3202.
تعدّ تركيا خامس أكبر شريك تجاري لروسيا بحصة تبلغ نحو 4.6% من إجمالي التجارة الخارجية الروسية بعد الصين وألمانيا وهولندا وإيطاليا.
بلغ عدد السياح الروس الذين قصدوا تركيا بهدف السياحة في عام 4102 نحو 83.4 ملايين شخص، أنفقوا ما يقارب 63 مليار دولار في شرايين الاقتصاد التركي، (للعام الـ 13 على التوالي، تركيا الوجهة الأولى للسياح الروس).
يعدّ مشروع «السيل التركي» الهادف إلى نقل الغاز الروسي إلى تركيا، ومنها إلى أوروبا، أهم المشاريع الاقتصادية التي يأمل الأتراك أن يحوّل بلدهم بعد إنجازه إلى مركز إقليمي لتوزيع الطاقة.
من حركة السفن التجارية للبلدين في مضيقَي البوسفور والدردنيل، إلى بناء تركيا المفاعلات الكهروذرية بالتعاون مع روسيا، والمصلحة الأوروبية باستمرار العلاقات الودية بين الطرفين الروسي والتركي لإتمام مشروع خطوط نقل الغاز الروسي عبر الأراضي التركية، يبدو من الصعب جداً أن نظن بأن العلاقات الروسية التركية قد تنتهي بإسقاط طائرة أو بارتفاع وتيرة التصريحات المتبادلة. منذ خمسة قرون، لا يعرف البلدان اللدودان إلا لغة «المصالح المشتركة» التي دائماً ما تقضي على الأزمات بينهما. توتر وتأزم، سرعان ما ينتهيان بتوقيع الاتفاقيات الاقتصادية وزيادة حجم العلاقات التجارية بين البلدين.

■ ■ ■


اعتاد الرئيس الروسي بوتين، لدى استقبال ضيوفه الأجانب، أن يتطرق معهم أمام الصحافيين إلى الجانب الاقتصادي من العلاقات مع بلدانهم. تذكير مكرر بأن روسيا ليست الاتحاد السوفياتي، وبأن الاقتصاد يعلو لديها على السياسة.
لذا، من الصعب التصديق بأن ثمّة تطوراً دراماتيكياً قد يطرأ على العلاقات الثنائية بين البلدين التي تحكمها روابط اقتصادية وتجارية أكثر أهمية يمكن تجاوزها لاعتبارات كثيرة.
كل ما تقدم، يبدو منطقياً إلا في حال واحدة أن حسابات الربح والخسارة عند بوتين أظهرت أن عوائد التدخل العسكري في سوريا أكثر كسباً على الاقتصاد الروسي من كل ما هو قائم حالياً ... وهنا ستكون مفاجأة.