احتل السيّاح الروس المرتبة الخامسة عالمياً كأكثر السياح إنفاقاً للأموال للعام 2014، وفقاً لمنظمة السياحة العالمية، حيث وصل معدل إنفاقهم الى 50 مليار دولار، خلف الصينيين الذين تصدروا اللائحة، والأميركيين والألمان والبريطانيين. إذاً، بكلام أبسط، فإن السائح الروسي «دفّيع» و»مرح» و»يحب الحياة».


أكثر من 40 مليون سائح روسي يتنقلون حول العالم سنوياً. «العالم» كبير، ولكن الملايين منهم على مسافة مئات الكيلومترات من لبنان وعلى بعد ساعة أو ساعتين كحد أقصى.
وصل عدد السياح الروس الى تركيا من كانون الثاني الماضي حتى شهر أيلول الى 3.3 ملايين سائح أنفقوا ما بين 2 مليار و3 مليارات دولار بحسب إحصائيات رسمية. أما في مصر، فبلغ عدد الروس الذين قصدوها للسياحة عام 2014 نحو 3.16 ملايين سائح، أي ما يشكل نحو 31% من إجمالي عدد السياح الذين زاروا مصر، موفرّين عائدات تقدر بـ 1.9 مليار دولار، ما يعادل ربع إيرادات مصر من العملة الأجنبية خلال العام الماضي.
بين هذه الملايين من البشر والدولارات المتنقلة، «حصة لبنان 25 ألفاً الى 30 ألف روسي فقط لا غير، لا يمكن تصنيفهم أصلاً ضمن فئة السياح، إذ إن جلهم من الطلاب ورجال الأعمال وعائلات روس تزوجوا لبنانيين»، بحسب رجل الأعمال والخبير في الشأن الروسي أمل أبو زيد.

الكنز السياحي الروسي

مع قرار روسيا إجلاء رعاياها وتعليق رحلات الطيران من وإلى مصر، على خلفية سقوط طائرة روسية في سيناء. وبعد تحذير وزير الخارجية الروسي للسياح الروس من مخاطر التوجه الى تركيا، دخلت دول عدة في صراع محموم لجذب هذا الكنز السياحي الروسي. بلدان «أبيك» أبدت استعدادها لاستقبال السياح الروس، واتخاذ التدابير الأمنية اللازمة لضمان أمن عطلتهم، وفقاً لرئيس الحكومة الروسية في ختام قمة منتدى التعاون الاقتصادي لدول آسيا والمحيط الهادئ. أما دول الجوار، فلم تتأخر في اتخاذ المبادرة والظفر بحصتها من الكعكة السياحية الروسية.
الأردن أطلق حملة ترويجية وتسويقية مكثفة، أسفرت عن تحويل العديد من الطائرات الروسية وجهاتها صوب المملكة الهاشمية، ويتوقع أن ترتفع أعداد الطائرات الروسية التي تحمل سياحاً قادمين الى المملكة خلال الفترة المقبلة الى 6 رحلات أسبوعياً. إيران، من جهتها، استغلت الظرف مع إعلان كل من طهران وموسكو الاتفاق على افتتاح مكاتب لتطوير التعاون السياحي.

لبنان يغطّ في سبات عميق

العلاقات بين لبنان وروسيا علاقات قديمة ومتجذّرة في التاريخ. وإذا كانت التطورات بين روسيا وتركيا حديث الساعة، فإن التاريخ يشهد أن الروس قاتلوا الى جانب اللبنانيين، وسقط لهم قتلى ضد العثمانيين. «في عام 1773 عند نهاية الحرب الروسية ــ التركية، تم إنزال قوات بحرية ومعها مدفعية في ميناء القديس جورجيوس (سان جورج) وذلك لمساندة انتفاضة الأهالي ضد «الباشا»، وبعد مرور شهرين، استسلم الأتراك. على أثر ذلك، رفرفت «راية أندرييف» وهي راية القوات البحرية الروسية فوق بيروت. وعلى شرف هذه الحادثة، سمّيت إحدى ساحات بيروت بـ»ساحة المدفعية»، ولا تزال حتى يومنا هذا. لقد دفن البحارة الروس الذين سقطوا خلال المعارك مع القوات التركية في مقبرة مار متر».
الإرساليات الروسية، بدورها، كان لها دور كبير وناشط على المستويات التربوية والصحية والاجتماعية والدينية في لبنان. أما في السياسة، فيكفي التذكير بأن أول فيتو في تاريخ منظمة الأمم المتحدة استخدمه الاتحاد السوفياتي عام 1946 دفاعاً عن استقلال لبنان وسوريا.
تكشف هذه المعطيات البسيطة الكثير من عمق العلاقة الروسية اللبنانية عبر التاريخ، والتي بدل أن يؤسس عليها لتطوير الجوانب الاقتصادية والسياحية بين البلدين، فإنها للأسف لا تزال مجرد ذكريات ولمحات من ماض غابر. في هذا السياق، يلفت السفير الروسي في لبنان ألكسندر زاسبيكين الى «أنه كان بإمكان لبنان بذل جهود أكبر وأكثر إبداعاً لجذب السياح الروس»، ويلفت إلى أنه على الرغم من المواقع الدينية التاريخية التي يتمتع بها لبنان، فإن معرفة الروس بهذه المواقع وبما يختزنه البلد من آثار وكنائس بيزنطية ومعالم إسلامية مهمة شبه معدومة.
وعلى الرغم من تشديده على البعد الأمني ودوره في جذب السياح من عدمه، إلا أن زاسبيكين يؤكد أن روسيا تشجع على السياحة الى لبنان، لكنه ينبّه في المقابل إلى أنه مع المرحلة الاقتصادية الصعبة حالياً وتأثيرها على السياح الروس، من المهم ألا تكون الأسعار جنونية، بما يساعد على تحفيزهم للقدوم أكثر.
وزير السياحة اللبنانية، ميشال فرعون، لا ينفي اعتبار أن ملف السياحة الروسية لم يفعّل ويولَ الاهتمام المطلوب، ويعيد السبب الى الظروف السياسية والأمنية التي شهدها لبنان والتي أثرت بشكل كبير على قدرته لاستقطاب السياح الروس. ويلفت الوزير الى أن أحد أبرز العوائق والمشكلات تكمن في قلة الرحلات الجوية بين البلدين، الأمر الذي دفعه الى التواصل مع شركات السفر المختصة بالسياحة الروسية الى دبي، وطلبه منها العودة الى لبنان والقيام برحلات تشارتر Charter.
لتلخيص الوضع، يؤكد أمل أبو زيد أن «لبنان ليس مقصداً للسياح الروس بأي شكل من الأشكال حتى الآن».

هل لبنان مؤهل؟

الحماسة لاستقطاب السائح الروسي لا يجب أن تعمينا عن طرح السؤال الجوهري: هل لبنان مؤهل لاستقبال السياح الروس؟
الوضعان السياسي والأمني لا يصبان في مصلحة لبنان، لكنه فعلياً لم يتجه يوماً نحو السائح الروسي. وبالنسبة إلى أبو زيد، «العقلية السائدة في لبنان تاريخياً تنظر الى الروسي وشعوب أوروبا الشرقية على أنها شعوب درجة ثانية أو ثالثة، مقارنة بشعوب أوروبا الغربية. لكن الوقائع تشهد بأن الروس من أكثر السياح صرفاً للأموال ومساهمة في نهضة الدول التي يقصدونها، إذ إنهم لعبوا دوراً كبيراً في النهضة العمرانية في كل من قبرص واليونان وتركيا ومصر».
ويضيف «يشكل لبنان مقصداً مثالياً للروس في جميع الفصول والمواسم، وليس فقط في فصل الصيف. فروسيا، على الرغم من طقسها القاسي والثلوج التي تتساقط عليها بغزارة، تفتقر الى المنتجعات الخاصة بممارسة رياضة التزلج. المطلوب هنا هو سياسة تكاملية يتشارك فيها القطاعان الرسمي والخاص، من وزارة السياحة الى مكاتب السفريات لتفعيل السياحة الروسية الى لبنان».
وفي وقت يزداد فيه اهتمام الروس بالمنطقة وانخراطهم بشؤونها، ولأن مصائب قوم عند قوم فوائد، فإن تجاهل لبنان لهذه الكتلة البشرية الضخمة بكل ما تحويه من قدرات مالية يعتبر جريمة، وخاصة أن لبنان هو الأقدر بين الدول المجاورة له على استقطاب السياح الروس، أكان لأسباب دينية، ثقافية، أم سياسية واجتماعية ...