في المعنى العام، التسنيد هو الزيادة المتنامية للسندات القابلة للتداول في السوق المالية. خلق هذه التقنية جاء ملازماً لسلسلة إزالة الوساطة وإزالة التقنين المالي أو تكاثر السندات المالية (أسهم/ سندات...). أما في المعنى الخاص، فيعتبر التسنيد عملية يتم بموجبها تحويل دين إلى سند. بصفة أدق، هو آلية خاصة بمؤسسات الإئتمان يمكّنها من بيع الأصول المكوّنة لسلفات أو قروض أو تعبئة أوراق تجارية، كما يعد بديلاً جديداً للحصول على سيولات السوق والتقليل من المخاطر التي تتحملها مؤسسات القروض وتيسير استعمال التمويلات الطويلة الأمد. هنا يطرح السؤال: هل يمكن للتسنيد أن يكون أحد الحلول بغية تحسين الاقتصاد اللبناني؟ وهل هذا هو الوقت المثالي لاعطاء التوريق الدور المرجو؟

قبل عام 2008، عمدت المؤسسات المالية العالمية الى تحويل موجوداتها غير السائلة الى أوراق مالية لأسباب عدة، أهمها تحرير رأس المال المرتبط بهذه الموجودات، الحصول على تمويل بشروط أفضل، تصحيح الخلل الناجم عن التفاوت بين تواريخ استحقاق كل من الموجودات والمطلوبات، تحويل المخاطر الإئتمانية للديون الى طرف ثالث عن طريق المشتقات الإئتمانية. وبذلك، استطاعت هذه المؤسسات، من خلال تجزئة عملية الإقراض وتفكيك المخاطر المرتبطة بها، إدارة المخاطر بطريقة أكثر فاعلية. ولكن في الوقت عينه، وبحسب عدد من الخبراء الاقتصاديين، فان السبب المباشر للازمة الاميركية هو حصول انحرافات مهنية متنوعة، اهمها انحراف المصارف الاميركية عن نشاطها الاساسي الذي هو منح الائتمان وادارته وفقاً للقواعد القانونية والتنظيمية الموضوعة لذلك، الى نشاط بديل هو منح الائتمان مع هدف نقله الى الآخرين في الاسواق المالية، بغض النظر عما اذا كانت تتوافر لدى هذه الاسواق الامكانية التقنية او الموضوعية لادارة المخاطر التي انتقلت اليها ام لا.
وقد أثبتت الازمة المالية ان الارتكاز على التسنيد لم يؤد الى الهدف الاساسي المطلوب، وهو قيام قطاع مصرفي سليم يخضع لمعايير اتفاقية «بازل 2» (التي سبقت بازل 3). بل على العكس، فان انفجار الازمة في الاسواق المالية عاد وارتدّ سريعا على المصارف مما أكد وجود تلازم بين استقرار الاسواق المالية واستقرار المصارف.
ما الدور الفعلي الذي يمكن للتسنيد أن يؤديه في لبنان؟
يشير مصدر مسؤول في هيئة الاسواق المالية الى «ان هدف التسنيد الاساسي يكمن في تغيير نمط الدّين الذي تستخدمه الشركات فيخفف من أعبائها. وعن المخاوف المثارة، استبعد ان يتسبب التسنيد بتضخم، اذ ان حجم السيولة المتداول بها لن يكون كافياً. ولفت الى انه، في فترة معينة، اتجه حاكم مصرف لبنان الى اعتماد سياسة خفض نسبة المديونية للحصول على نسبة سيولة أكبر، الامر الذي من شأنه أن ينشط الاقتصاد. أما عن تراجع عمليات التسنيد بعد عام 2008، فان ذلك يعود الى الازمة الاقتصادية العالمية وليس مرتبطاً بلبنان فحسب. وهذا الامر دفع بمصرف لبنان الى تشديد الاجراءات».

يخفض التسنيد كلفة خدمة الدّين ويسمح للقطاع الخاص بالاقتراض بفوائد أقل

الخبير الاقتصادي الدكتور ايلي يشوعي يرى «أنه لا يوجد تسنيد في لبنان. فالتسنيد يكون عندما يقوم مصرف تجاري باعطاء قرض ومن ثم يحوّله الى سند. وهذا الامر غير موجود في لبنان بسبب عدم وجود سوق مالية وتقنيات متطورة تعتمدها المصارف لتلبية هذه التحويلات. كما أن للتسنيد قواعد وأسساً ثابتة، ولبنان بعيد كل البعد عن تطبيقها. اذ تنقصنا استثمارات داخلية وشركات أموال وحركة اقتصادية وانتاجية ناشطة. وفي حال استخدم التسنيد كما يجب، نصل الى الازدهار وليس الى تضخم لأن الشركات متعطشة الى السيولة في ظل وجود أموال كثيرة في لبنان مدارة بشكل سيئ. فمن أصل 170 مليار لا يحظى القطاع الخاص الا بـ 50 ملياراً».
ويعتبر بعض الخبراء أن التسنيد وسيلة لخفض المديونية، التي في حال وصلت الى حد الافراط وبكلفة عالية تشكل عنصر ضعف في الاقتصاد. ويتمثّل التسنيد ببيع مداخيل المؤسسات العامة لمدة معينة وليس بيع الملكية، ولا يقتصر المردود على مبلغ التسنيد، بل ايضاً على بنية الفوائد، ما يؤدي الى خفض كلفة خدمة الدّين ويسمح للقطاع الخاص بالاقتراض بفوائد أقل من تلك التي تعطيها المصارف. من هنا لا بد من ادخال ذهنية القطاع الخاص الى المؤسسات العامة. لذا يمكن لعمليات التسنيد والخصخصة أن تؤدي الى نهضة في الاقتصاد كما في اسواق البورصة.
تستطيع المصارف التجارية إعادة هيكلة محافظ قروضها عن طريـق التسنيد. فالقروض غير المنتجة أو المشكوك فيها يمكن تجميعها وبيعها لصناديق استثمار منشأة خصيصاً لهذه الغاية، مع تأمين ضمانة إضافية ملائمة، وطمأنة المستثمرين الباحثين عن إستثمارات ذات عائد مرتفع. وتتيح عملية التسنيد للمصارف أن تسعّر قروضها وفق شروط ومخاطر السوق. وبالتالي، من الممكن للأوراق المالية المدعومة بموجودات أخرى، في حال وجود إطار تشريعي صحيح وتكاليف غير مفرطة، أن تنشئ قيمة وتكون مجدية لدى الجهات المصدرة ولدى المستثمرين.
في هذا الصدد، يعتبر الخبير الاستراتيجي في اسواق البورصة جهاد الحكيم «ان من المهم لعمليات التسنيد أن تشمل التدفقات المالية المستقبلية وليس فقط الأصول الموجودة التي تستوجب تسييلها كما هي الحال في عمليات التسنيد التي جرت حتى الآن. ويتم ذلك مع مواكبة قانونية من هيئة الاسواق المالية التي تضع هذه العمليات في اطار قانوني مناسب».
ورغم تعميم مصرف لبنان الرامي الى دعم الاستثمارات من خلال قروض مدعومة، الا أن المصارف لا تزال تتحكم بشروط القروض، ما يفعّل من دور الشركات المالية التي تقوم باجراء عمليات التسنيد التي تستمد أهميتها من عاملين أساسيين: أولاً، كونها تشكل أداة مالية تستطيع إجراء تحوّل في السوق السكنية والعقارية بإنشاء سوق للقروض العقارية وتأمين موارد وسيولة جديدة طويلة الأجل لتمويل الإسكان، بالاضافة الى تسنيد قروض المصارف التجارية، وقروض السيارات، وإيرادات بطاقات الإئتمان، وقروض الإيجار التمويلي الخاصة بالتجهيزات على أنواعها. ثانياً، إمكانية جعل لبنان مركزاً إقليمياً لعمليات التسنيد.
اعتماد البنية التشريعية والرقابية الملائمة لتسنيد الموجودات يتيح للبنان أن يكتسب ميزة مقارنة على سائر البلدان العربية التي لا توجد لديها تشريعات كهذه، والتي يمكنها أن تستخدم أسواقنا المالية. وبهذا يكون لبنان قد حذا حذو مدن كثيرة منها هونغ كونغ التي استطاعت ان تنشئ سوقاً نشطة وناجحة للتسنيد.
في سياق متصل، يقول المدير العام لشركة Bemo Securitisation رونالد يزبك: «نحن نعمل بموجب تعميم صادر عن مصرف لبنان وهيئة الاسواق المالية. بالتالي، لا يحق لنا عرض أي منتج ما لم توافق عليه الهيئة وهيئة الرقابة على المصارف. والتسنيد هو كناية عن انشاء صناديق استثمارية تشتري ديوناً جارية. هذه الصناديق التي نخلقها تباع الى عدة أطراف داخلية وخارجية، الامر الذي يؤدي الى جلب أموال اضافية الى السوق اللبنانية».
توافر تقنيات التسنيد سيعود بمنافع عدة على الإقتصاد اللبناني خصوصاً على القطاع المالي وقطاع الإسكان، اضافة الى منافعه على القطاع العام، ويطلق سوقاً جديدة، ما يؤدي الى زيادة نسبة السيولة في هذه الأسواق، والى تدفقات مالية جديدة وتمويل طويل الأجل، إضافة الى إعطاء لبنان وأسواقه المالية ميزة تفاضلية تجعله يطوّر استخدام تقنيات التسنيد الحديثة.