ما قبل مؤتمر الرياض ليس كما بعده. هذا ما أراد إعلانه «أمير القاعدة في بلاد الشام _ جبهة النصرة»، أبو محمد الجولاني، في مقابلته الأخيرة، السبت الماضي. وهَدَفَ الجولاني من المقابلة إلى إعلان موقف «القاعدة» من مؤتمر الرياض، وما سيترتب عليه من علاقتها مع الفصائل المسلحة، بالإضافة إلى التعامل مع الغرب. وشنّ الجولاني هجوماً مزدوجاً على مؤتمر الرياض، والفصائل المشاركة فيه، مؤكّداً أن «الجبهة» لم تتلق دعوةً للحضور، «وإن دُعيت فلن تحضر». واعتبر أن «المؤتمر هو خطوة تنفيذية لما جرى في مؤتمر فيننا الذي لا يصبّ في مصلحة أهل الشام». ورأى أن المؤتمر هو «مؤامرة»، لافتاً إلى أن «من ذهب إليه ليس قادراً على التنفيذ، لأن جنود هذه الفصائل لن يلتزموا بقرارات قيادتها».
وعرض تقييمه للمؤتمر، الذي «يريد أن يبقي على (الرئيس بشار) الأسد، ويدمج المعارضة المسلحة مع قوات النظام»، متابعاً أنّ «الهدف هو مقاتلة الجبهة وداعش ومن بعدها فرض هدنة». وحاول تبرير مشاركة الفصائل بذهابها إلى الرياض، موضحاً أن «ضغوطاً مورست عليها»، ومستنكراً «مبررات الذهاب الواهية، إذا ما قورنت بحجم الخسارة لو مرر الاتفاق».
كما أصدر حُكماً شرعياً على من يمضي في الاتفاق، بوصفه «خائناً للدماء». وأكد أن الفصائل ضحّت «لإقامة حكم إسلامي راشد». وميّز «القاعدي»، بين مرحلة ما قبل المؤتمر وما بعده، لافتاً إلى سياسة ستنتهجها «النصرة» على مستويين، ميداني وسياسي.
ورغم تريّثه في إعلان قراره الميداني، في كيفية التعامل مع تلك الفصائل، لأنه «سابقٌ لأوانه»، شدد الجولاني على ضرورة «إفشال هكذا مؤامرات واجتماعات». وتصبّ تلميحاته في سياق تمييز الفصائل، إما مع «النصرة» أو ضدّها. ويترتب على ذلك، مواجهة ميدانية، بينها وبين من «يرتدّ» أو «يضرّ بمصلحة الجهاد الشامي». وهو ما يشكّل استكمالاً لتصريحات سابقة لقادة «النصرة»، ويفسّر نظرتها للفصائل الأخرى.

نسعى إلى عرقلة هدنة الغوطة ولا يمكن أن تسري

من هنا، رفض الجولاني المصالحات بين الدولة السورية والفصائل المسلحة، وخصوصاً ما حُكي عن واحدة في الغوطة بين الجيش السوري و«جيش الإسلام». وقال: «نسعى إلى عرقلة هدنة الغوطة ولن نقبل بها، ولا يمكن أن تسري ونحن هناك»، ذلك لأن «دمشق صارت مستباحة من الرافضة». وأوضح أن هناك فرقاً بين هدنة الغوطة وهدنة الفوعة، لأن الأخيرة جاءت لحماية مسلحي الزبداني الذين «فقدوا قدرة الهجوم». ولفت إلى أنّ «اتفاقات الهدن لا تفيد سوى النظام، وهي الخطوة الأولى للاستسلام».
وفكّك الجولاني تركيب الفصائل المسلحة، كاشفاً نظرة «القاعدة» لـ«الجيش الحر»، الذي هو «مجموعة فصائل تلتقي في الاسم، من دون ارتباط تنظيمي بالآخر». في إشارة منه إلى أنّ القوى المسلحة الأساسية، في الميدان متمثلة بـ«داعش»، الذي «لا يجوز شرعاً قتاله تحت غطاءٍ تركي أو تحالف دولي»، إضافةً إلى «النصرة» و«الجبهة الإسلامية»، بجناحيها «أحرار الشام» و«جيش الإسلام». أما الفصائل الأخرى، فهي مجموعات ستذوب في «الجبهة»، في الأيّام القادمة، وخصوصاً أنه يلوّح لـ«اقتتال جهادي»، محتمل.
الجولاني أعاد تأكيد نظرة «القاعدة» إلى الغرب، مشدّداً على «عدم التعاون معه والتمسّك بالمبادئ، سواء ارتبطنا بالقاعدة أو لا». وحسم أيضاً الجدل في قضية الانفصال، قائلاً «لا نيّة لدينا بفكّه»، معلّلاً ذلك بأن «الغرب يصنّف الفصائل بناء على فكرها».
ميدانياً، «قلّل» الجولاني من إنجازات الجيش السوري في ريف حلب الجنوبي، لأن التقدم «كان في أرض فضاء، ولم يكن هناك وجود مكثّف للجبهة». وأعلن أنه «بعد التدخل الروسي، جرت ثلاث محاولات من الجيش السوري لاستعادة سهل الغاب»، مشيراً إلى أن «المنطقة الساحلية لسيت خطّاً أحمر». أما في الشمال، فقد حدّد الجولاني هدف «المنطقة الآمنة»، لافتاً إلى «أنها ساهمت بتمدد داعش، فتركيا تريدها لمصلحتها، لتبعد خطر الأكراد». وأوضح أن «المجتمع الكردي المسلم، هو تحت سيطرتنا، أما مشكلتنا (النصرة) فهي مع الميليشيات الكردية والعلمانية المتحالفة مع النظام». فيما برّر «الركود» في الجبهة الجنوبية، في درعا والقنيطرة، نتيجة «قتال النصرة للواء شهداء اليرموك، المتهم بميايعة داعش». وشدّد على أن قرار «النصرة داخلي ولا يتدخل فيه أحد»، نافياً أيّ «ارتباط مع قطر أو تركيا، كما روّجت وسائل إعلام كبرى».
وعن التدخل العسكري الروسي في سوريا، وصف الصراع في سوريا بـ«المدوّل»، مؤكّداً أن «روسيا تعلّمت من حرب أفغانستان، ودخولها في سوريا خجول وحذر وله أهداف محددة». وأضاف «إن التدخل لم يكن لحماية النظام، بل لإعادة إحيائه لأنه كان ميتاً»، لافتاً إلى أن «مؤسسات الدولة التي يريد المجتمع الدولي الحفاظ عليها هي الجيش والأمن». في المقابل، استطاعت «النصرة امتصاص الصدمة الأولى للتدخل العسكري الروسي».
وبحسب الجولاني، فإن النظام «فقد قوته كدولة وتحول إلى مجموعة من الميليشيات المستقلة»، لافتاً إلى أن «الفصائل المقاتلة على الأرض في تقدم، والنظام لا يسيطر إلا على 20 بالمئة من الأرض». وأضاف: «ما تملكه الفصائل مجتمعة من عتاد ودبابات اليوم أكثر مما يمتلكه النظام»، معتبراً أن «الجيش خسر أسراباً من الطائرات، ولم يعد لديه سوى 15 مروحية ... وهذا لا يعتبر تسليح جيش».
إلى ذلك، تحدّث الجولاني عن دعم تنظيمه، الذي يأتي «من الغنائم، والمصادر التجارية»، فـ«النصرة» هو «أكثر فصيل لديه أوراق على الأرض، ويملك سلاحاً، ويتغذى من عدوّه، ويعاود القتال بأسلحته»، بحسب قوله.
وأثار موقف «الأمير» مجموعة من الانتقادات من قبل أنصار «الحر»، الذين أطلقوا هاشتاغ على «تويتر» #الجيش_الحر_أملنا. أما «النصرة»، فقد أوضحت تصريحات زعيمها، عبر ذراعها الإعلامية، «المنارة البيضاء». ونقلت عن الجولاني قوله، إن «البعض يريدنا أن نعادي الجيش الحر ونقاتله، فأوضحنا أنه لا يوجد شيء اسمه جيش حر منظّم، بل فصائل متفرّقة، منها الجيد ومنها السيئ. ومن يعتدي علينا منها نتخذ ضده إجراء».




مقابلة لا «مؤتمر صحافياً»

قبل عرض المقابلة، روّجت «النصرة» على مواقع التواصل الاجتماعي، لـ«مؤتمر صحافي» لأميرها. إلا أن ما عُرض، السبت، كان أشبه بمقابلة تلفزيونية. وحاور الجولاني أربعة صحافيين، هم مراسلو: قناة «الجزيرة»، «أورينت نيوز»، «الغد العربي»، إضافة إلى إعلامي المجموعات المسلحة هادي العبدالله. وموّهت «النصرة»، التي تولّت عملية تصوير ومونتاج المقابلة، وجه الجولاني. وأكّد أحد المحاورين، أنّه سيظهر وجهه في مقابلة قادمة. وظهرت المقابلة بشكلٍ فاشل على الصعيد التقني، حيث غاب التنسيق عن المحاورين الأربعة، رغم وجودهم معاً لمدّة يومين، قبل المقابلة. وبرز بوضوح التشتت على مدى ساعة ونيّف من طرفي الحوار.