يقال إن تقنية «كريسبر» للهندسة الجينية تعدّ «أهم ابتكار في مجال البيولوجيا المركبة صناعياً منذ نحو 30 عاماً»، رغم الجدل الكبير القائم حول منافعها وأضرارها المحتملة كوسيلة لإزالة واستبدال التشوهات الجينية. ولعل السبب في اكتنازها أهمية كبرى بين أوساط الباحثين والعلماء، يكمن في الاستفادة منها في إطار القضاء نهائياً على الأمراض المميتة، كما هو الحال بالنسبة إلى أمراض الدم، بما في ذلك أنيميا الخلايا المنجلية (Sickle cell anemia) وأنيميا البحر المتوسط، التي هي من بين الاضطرابات الجينية الشائعة خصوصاً في العالم العربي.

لكن يبدو أن الآمال الكبيرة المعقودة على فوائد الهندسة الوراثية قد تتّجه إلى الاندثار، بعدما حذّر علماء، يوم أمس، من أن تكنولوجيا التعديل الجيني قد تتسبب «دون قصد» في زيادة خطر الإصابة بأمراض سرطانية في الخلايا.
التحذير، الذي أطلقه باحثون في جامعة «كامبريدج» البريطانية ومعهد «كارولينسكا» السويدي، يشدد على ضرورة إجراء مزيد من الأبحاث، لتقييم ما إذا كان استخدام تقنية «كريسبر-كاس9»، وهي نوع من «المقصّات» الجزيئية التي تستخدم في تعديل الجينات، قد يؤدي إلى تطوير علاجات من شأنها زيادة خطر الإصابة بالسرطان.



ووجد فريق الباحثين بقيادة جوسي تايبال في «كامبريدج»، أن تقنية «كريسبر-كاس9» (CRISPR–Cas9) تدمر الآلية المصمّمة لحماية الخلايا من تلف الحمض النووي، وهو ما يجعل التعديل الجيني أكثر صعوبة، في حين أن الخلايا التي تفتقر إلى هذه الآلية يَسهُل تعديلها بدرجة أكبر من الخلايا الطبيعية. بيد أن هذا التفاوت بين نوعَي الخلايا قد يؤدي إلى نشوء حالة «معقّدة»، فتصبح مجموعات الخلايا المعدلة جينياً تحتوي على عدد أكبر من الخلايا التي تفتقد الآلية الرئيسية، تلك التي تحمي من تلف الحمض النووي.
وفي بحث نُشر في دورية «نايتشر ميديسين» (Nature Medicine)، حذّر العلماء من أن غياب آلية الحماية في الخلايا يجعلها أكثر عرضة لأن تكون سرطانية، لأنه لم يعد من الممكن تصحيح تلف الحمض النووي.
وفي هذا الإطار قالت الباحثة تايبال، في بيان نُشر في سياق البحث، «رغم أننا لا نفهم بعد الآليات، نعتقد أن الباحثين يحتاجون إلى إدراك المخاطر المحتملة عند تطوير علاجات جديدة».
وأضافت: «لهذا السبب، قررنا نشر نتائجنا بمجرد اكتشافنا أن الخلايا التي تم تعديلها باستخدام كريسبر-كاس9 يمكن أن تصبح سرطانية».
واللافت أن النتيجة نفسها توصل إليها فريق ثانٍ في معهد «نوفارتس» للأبحاث في بوسطن بالولايات المتحدة، ونُشرت أمس أيضاً في نفس الدورية. في غضون ذلك، رأى الخبير في علم الوراثة في جامعة «كينت»، دارين جريفين، والذي لم يشارك في أيّ من الدراستين، أن النتائج تعطي «مبرراً للحذر، ولكن ليس بالضرورة للقلق».
تبعات «غير متوقعة»
عام 2015، نشر «مركز العلوم الجينية والمجتمع» The Center for Genetics and Society بياناً، أورد فيه 7 أسباب تعلل خطورة البشر المعدلين جينياً، ويتمثل السبب الأول في «مخاطر صحية عميقة على الأطفال المستقبليين»؛ إذ إن العبث بجينات طفل لم يولد هو عمل خطير. كما أن مجرد التعديل في جين واحد (لون العين على سبيل المثال) يمكن أن يخلف تبعات غير متوقعة: «تعديل الجينوم الخاص بنسلنا - لا يؤثر على الجيل الأول فقط ولكن على الأجيال التالية أيضاً - يعني تغيير كل خلية في أجسامهم دون رجعة وللأبد».