خلصت دراسة حديثة إلى أن الموظفين الذين يتعرّضون لـ«الاحتراق المهني»، ويعملون لساعات طويلة، هم أكثر عرضة للإصابة بـ«الرجفان الأذيني»، وهو عبارة عن اضطراب ضربات القلب الأكثر شيوعاً والسبب الرئيسي للسكتة الدماغية في أوروبا والولايات المتحدة.

وتتبّع الباحثون 11 ألف مشارك لمدة 25 عاماً، جرى تقييمهم في 5 مناسبات منفصلة، ثم قورنت النتائج بعدد الأشخاص الذين عانوا من الرجفان الأذيني خلال تلك الفترة الزمنية. وبنتيجة الدراسة التي نُشرت نتائجها في المجلة الأوروبية لأمراض القلب الوقائية (EJPC)، وجد الباحثون أن العمال المنهكين والمجهدين لديهم خطر أعلى بنسبة 20% للإصابة بالرجفان الأذيني، في مرحلة متقدّمة من حياتهم، وأن الإجهاد المزمن والإرهاق يمكن أن يكونا عاملَين رئيسيَّين للإصابة بهذا المرض.
وقال كبير الباحثين والأستاذ المشارك في الطب السريري في كلية الطب في جامعة جنوب كاليفورنيا، بارفين غارغ، «نعلم أن التوتر قد يسبب أنواعاً أخرى من أمراض القلب، ولكن هذه الدراسة الأولى التي تربط حقاً الإرهاق بزيادة احتمال تعرضك لخطر عدم انتظام ضربات القلب».
وتابع غارغ قائلاً: «نعرف بعض عوامل الخطر الرئيسية المهمة للغاية، مثل السمنة، وارتفاع ضغط الدم، والتدخين، لكن هذا لا يفسر كل شيء عن سبب إصابتنا بهذه الحالة. نحن نربط بين الإرهاق والرجفان الأذيني، الأمر الذي لم يتم وصفه من قبل».
في مقابل ذلك، رأى كبير مسؤولي الابتكار والعلوم في الكلية الأميركية لأمراض القلب، جون رامسفيلد (لم يشارك في إعداد الدراسة)، أن «الإدراك بأن الأعراض مثل التعب والإرهاق مهمة من الناحية الطبية، يتزايد». وأضاف: «قد يكون لدى البعض معدل ضربات قلب أعلى واستجابة مرتفعة للإجهاد. من الواضح أن مثل هذه الأعراض ليست صحّية، لكن التحدّي يكمن في اكتشاف السبب، ومن ثم التدخل لتحسينها»، مستدركاً أن «الدراسة الحالية عبارة عن تقييم أولي لعلاقة محتملة بين الإرهاق والرجفان الأذيني. إنها دراسة رصدية لا يمكنها أن تكون علاقة سببية».

ما هو «الرجفان الأذيني»؟
الرجفان الأذيني، المعروف أيضاً باسم «Afib» أو «AF»، يؤثر على أكثر من 33 مليون شخص في جميع أنحاء العالم، كما أنه مسؤول عما يقرب من 130 ألف حالة وفاة، و750 ألف حالة دخول إلى المستشفيات سنوياً في الولايات المتحدة. وتظهر لدى الأشخاص الذين يعانون من «Afib» بعض الأعراض مثل ألم وخفقان في الصدر وضيق في التنفس والتعب. ولكن بالنسبة إلى الآخرين، لا تظهر أعراض المرض، وبذلك يكون القاتل الصامت المحتمل.
ويقول الباحثون الذين أجروا الدراسة إن الإرهاق يسبّب الالتهاب وزيادة الحساسية للإجهاد. وهما عاملان يجعلان من الصعب على القلب ضخ الدم إلى جميع أنحاء الجسم، ويمكن أن يؤدّي في النهاية إلى الإصابة بالرجفان الأذيني. وإذا تُركت نبضات القلب غير المنتظمة دون علاج، فإنها تعرّض المرضى لخطر السكتة الدماغية وفشل القلب، وكلاهما قد يكون مميتاً.

«المسألة أكثر من مجرّد العمل»
وفقاً للمعهد الأميركي للإجهاد، يقر 80% من العمال الأميركيين بأنهم يشعرون بالتوتر في الوظيفة، ويقول نصفهم إنهم بحاجة إلى المساعدة في السيطرة على الإجهاد. أما في المملكة المتحدة، فقد قال نحو 600 ألف شخص إنهم عانوا من التوتر أثناء العمل، خلال عام 2018.
ولكن كما يقول الخبراء، المسألة أكثر من مجرد العمل. إنها دورة على مدار 24 ساعة، الاتصال المستمر بوسائل التواصل الاجتماعي، والسباق لتكون الأفضل فيما تقوم به في المنزل وفي العمل. هذا ما أكده بدوره غارغ، الذي أوضح أن «الإرهاق يمكن أن يكون بسبب أي نوع من الضغوط، وليس بالضرورة أن يكون بسبب العمل».
وأظهرت أبحاث سابقة وجود صلة قوية بين الغضب، والقلق، والاكتئاب، والإرهاق، والعديد من الأمراض المزمنة، بما في ذلك أمراض القلب التاجية وفشل القلب.
لكن عندما يتعلق الأمر بالرجفان الأذيني، فكانت نتائج الدراسات مختلطة. وأظهرت بعض الدراسات السابقة وجود صلة بين الرجفان الأذيني والغضب أو متلازمة الإجهاد اللاحق للصدمة، في حين تشير دراسات أخرى إلى أن الاكتئاب والتأثيرات النفسية-الاجتماعية الأخرى هي نتيجة الإصابة بهذه الحالة، وليست سبب الإصابة بالمرض.