أستيقظ في منتصف الليل. تتطاير أفكاري. أشعر بالضيق، ولا أستطيع تحمّل البقاء في المنزل. أرتدي ملابسي، وما إن أصل إلى مقبض الباب حتى تأتي أمّي وتمنعني من الخروج. فأصرخ بأعلى صوتي وأبكي. وأحطم كل ما حولي. وتهشّم أظافري جلدي الرقيق فتنرسم خرائط من الخطوط الحمراء على رقبتي ومعصمي. أشعر أن جسدي مقيّد بالجدران المحيطة به وأن روحي مقيدةٌ بجسدي.


هكذا وصفت «رشا» نوبة الهوس التي تزورها عادة بلا استئذان. ويترافق معها شعور بالابتهاج وسرعة الانفعال والحساسية ونشاط بلا حدود أو قيود. ففي عالم اضطراب ثنائي القطب (Bipolar Disorder) يعيش المصاب في ضيافة قطبين متخاصمين يؤثران بشكل كبير على مزاجية المصاب وحالته النفسية بشكل دوري من دون أي سابق انذار.

نوبات الهوس و الاكتئاب
النوبات الهوسية التي يمر بها المصاب لا تقتصر على هذه الحادثة. فأحياناً لا يستطيع المريض السيطرة على نشاطه الاستهلاكي ويقوم بصرف مبالغ كبيرة من الأموال من دون أن يفكر مرتين. ويقدم أحياناً على القيام بنشاطات غير قانونية أو الافراط في القيام بعمل معيّن لتفريغ طاقاتة الفائضة. وكل هذه الأعراض تترافق مع الشعور بعدم الحاجة إلى النوم لأيام وربما لأسابيع.

عندما تغيب النوبات الهوسية قد يعاني المصاب من نوبات اكتئابية حادة تتراوح حدتها ونسبتها بين المريض والآخر. حيث يشعر المصاب بالحزن والقلق والفراغ وربما يشعر بأنه غير جدير بالتقدير ويفقد الأمل في الحياة، مما يؤدي في بعض الحالات المتطورة إلى تفكيره بالموت وإقدامه على الانتحار.

تعبّر رشا عن نوبة الاكتئاب بأنها الأيام التي يكون فيها السرير منزلها، فيكون مكان أكلها وشربها ونومها ومكان عزلتها عن العالم. تبتعد في هذه الفترة عن مواقع التواصل الاجتماعي و عن أصدقائها وعائلتها و تسيطر على مزاجها مشاعر الحزن والاحباط وترافقها الرغبة في البكاء طول فترة النوبة.

عوامل فردية ووراثية
تعرّف الإختصاصية والمعالجة النفسية شهناز حمادة، الاضطراب على أنه «حالة صحية عقلية تتعاطى مع التغيرات المزاجية بين حالة الهوس وحالة الاكتئاب».
و بحسب ما تفيد به منظمة الصحة العالمية، لا تنحصر أسباب الصحة النفسية والاضطرابات النفسية في صفات الانسان الفردية مثل قدرته على إدارة أفكاره وعواطفه وتفاعلاته مع الآخرين، بل تشمل أيضاً عوامل أخرى اجتماعية وثقافية واقتصادية وسياسية وبيئية؛ مثل مستويات المعيشة والدعم المجتمعي.
ذلك بالإضافة إلى عوامل أخرى كالهندسة الوراثية، والتغذية، وحالات العدوى في الفترة المحيطة بالولادة، وتعرّض الفرد للأخطار البيئية.

الخطط العلاجية
بحسب منظمة الصحة العالمية، تتوافر وسائل علاج فعالة للطور الحاد من الاضطراب الوجداني الثنائي القُطب وللوقاية من الانتكاس. وتتمثّل هذه الوسائل في الأدوية التي تحافظ على استقرار الحالة المزاجية. ويعتبر الدعم النفسي الاجتماعي من العناصر المهمة في العلاج.

لا تحبّذ حمادة «اللجوء إلى الدواء فقط كعلاج لهذا الاضطراب. لأن الأدوية لا تفرغ أحاسيس وأفكار المريض بل تعمل على إخمادها فقط». و تلفت إلى وظيفة العائلة كعنصر مهم جداً في عملية العلاج، ولو كان الدعم عبر التواصل الجسدي الذي يمنح المريض الشعور بالحب والعاطفة والأمان، كالعناق على سبيل المثال.
كما يجب تخصيص وقت للحديث و التحاور مع المريض والاستماع إليه، مع ضرورة التعاطي معه بصراحة وصدق ووضوح. وتشدد حمادة على أهمية إعطاء المريض مساحته الشخصية ووقته الخاص مع نفسه للتفكير بما يمر به وما يحصل معه. كما تنصح بزيارته الدورية لمتخصصين في العلاج النفسي.

الهوس طريق وعر لقمّة الإبداع
العلاقة بين الاضطراب والابداع غير محدّدة. لكن يعتقد كثيرون أن المرض النفسي يعزّز بالفعل قدرات الفرد الإبداعية. فتصنّف دراسة أُجريت منذ سنة 2011، الناس بحسب المهن، مفترضة أن كل فنان أو مصور أو مُصمِم أو عالِم يجب أن يكون مبدعاً. وبالاستعانة بالتعداد السكاني الذي أجرته الحكومة السويدية، توصّل الباحثون إلى أن مرضى الاضطراب ثنائي القطب من المرجّح أن تجدهم في إحدى هذه الوظائف الابداعية أكثر بمعدل 1.35 مرة من غيرهم.

وتشير الأبحاث التي أجراها جيمس فالون، عالم الأعصاب في جامعة كاليفورنيا، إلى أن الأفراد الذين يعانون من الاضطراب ثنائي القطب يميلون إلى أن يكونوا مبدعين عندما يخرجون نوبات الاكتئاب. فعندما يتحسن مزاج المريض ينقطع النشاط في الجزء السفلي من منطقة الدماغ، ويرتفع في جزء أعلى من هذه المنطقة، وهذا الأمر هو ما يحدث مع الأشخاص المبدعين.

كما أن المصاب بثنائي القطب تشغله أفكار كثيرة ويمرّ بنوبات هوس كثيرة، مما يزيد من احتمال خروجه بفكرة واحدة إبداعية على الأقل. ولذلك يجد الباحث أن المصابين بالاضطراب ثنائي القطب مكانهم مضمون في المهن الإبداعية. و لعلنا نستذكر إحدى أهم الشخصيات الشهيرة، الفنان فينسنت فان غوخ، الذي كان أحد أشهر الرسّامين وأكثرهم أهمية في تاريخ الفن الغربي، حيث عانى من نوبات متكررة من الاكتئاب والهَوس، والتي ربما كان لها دور مهم في تأمين طريقه للسمو في عالم الفن.

و في حين يرى بعض العلماء أن الأمر مجرد صدفة، وأنه ليست هناك قاعدة علمية ثابتة لهذا التحليل، تبقى الأعمال الإبداعية التي قدّمها لنا مرضى الاضطراب ثنائي القطب وغيرهم من مرضى الاضطرابات النفسية الأخرى، كبيتهوفن والكاتب الإنكليزي الشهير تشارلز ديكنز وروبين ويليامز، من أجمل وأعظم ما قدّم للثقافة البشرية.