رفعت بريطانيا، الأسبوع الماضي، القيود التي كانت مفروضة لاحتواء وباء «كورونا»، واكتفى رئيس الوزراء، بوريس جونسون، بـ«التوسل» للمواطنين كي يرتدوا الكمامات ويحافظوا على التباعد الاجتماعي ويحجروا أنفسهم «عندما يُطلب منهم ذلك». غير أنّ رفع القيود لم يتزامن مع أي احتواء للوباء في البلاد. بل على العكس، سجّلت المملكة المتحدة أخيراً أكثر من 36 ألف إصابة، بسبب تفشي المتحور الهندي «دلتا»، الأسرع انتشاراً. كما أنّ المواطنين بدأوا، على ما يبدو، بحذف تطبيق التتبّع الخاص بـ«كورونا»، والذي تعتبره الدولة «خط الدفاع الثاني» في معركتها ضدّ الوباء.


ومن يتابع استجابة جونسون منذ بداية الأزمة الصحية العالمية، فلن يتفاجأ بمثل هذه النتيجة. وهذه الاستجابة، مقرونة بخطوة رفع القيود أخيراً، دفعت بمراقبين ووسائل إعلام إلى التحدث عن «استسلام بريطاني رسميّ للوباء».

برنامج «الفحص والتعقّب» عاجز

في الوقت الحالي، يواجه «برنامج الفحص والتعقب» (NHS Test and Trace)، الذي أنفقت عليه بريطانيا نحو 37 مليار يورو، مشاكل أساسية. فقد بدأ البريطانيون إما بحذفه، أو بمنعه من الوصول إلى مواقعهم، بحسب صحيفة «فاينانشال تايمز» الأميركية.

والأسبوع الماضي، بلغ عدد التحذيرات، التي يرسلها هذا التطبيق إلى المواطنين في حال مخالطتهم لأي شخص تتضح في ما بعد إصابته بالوباء، نحو 620 ألف تحذير، وفق أرقام وزارة الصحة. وقد سبّبت هذه الإشعارات خللاً في قطاع النقل وتوزيع الأغذية، ما منع تزويد المتاجر الكبرى بالمحروقات والموادّ الغذائية، فأصبحت رفوفها خالية. ودفع ذلك باتحاد الموزعين البريطانيين إلى مطالبة الحكومة بتخفيف إجراءات العزل للمخالطين.

ورغم ذلك، تشير الصحيفة إلى أنّ عدد الإشعارات المحذّرة خلال هذا الأسبوع، ورغم ارتفاعه أيضاً، فهو يبقى متخلّفاً جداً عن العدد الفعلي للإصابات، ما يشير بوضوح إلى أنّ بعض المواطنين يتحايلون على البرنامج، وأنّ واحداً من بين 5 أشخاص تقريباً حذفه. وقد ندّد وزير الأعمال البريطاني، كواسي كوارتينج، أخيراً بهذه الظاهرة، واصفاً إياها بـ«التصرّف المخزي».

الآتي أصعب

صحيح أنّ 69% من البالغين في المملكة المتحدة تلقوا، حتى الآن، كلتا الجرعتين المضادتين للوباء، وهو ما يوفر مستوى من الحماية لم يكن متوقّعاً بالنسبة إلى كثيرين حتى الصيف الماضي، ولكنّه لا يعني «الحرية المطلقة» التي أطلق لها جونسون العنان، وفق ما أفادت صحيفة «ذا غارديان» البريطانية. فقد اتضح أنه من الممكن تماماً أن يصاب الملقّح بالوباء وينقله إلى من حوله.

من جهتها، تؤكد صحيفة «نيويورك تايمز» الأميركية، أنّه من الأجدر تسمية اليوم الذي رُفعت فيه القيود بـ«يوم الفوضى»، بدلاً من «يوم الحرية». فهي تلفت إلى أنّ عدد الإصابات سيبلغ على الأرجح الـ100 ألف إصابة في اليوم قريباً، وأنّ حالات الاستشفاء، رغم انخفاضها مقارنة بموجات سابقة بفضل عمليات التلقيح، إلا أنها تسجل ارتفاعاً مستمراً، كما حالات الوفيات أيضاً.

وتعتبر الصحيفة أنّه بعد عام من التضحيات، ستذهب جميع الجهود سدى مع اجتماع الشباب للشرب في غرف مزدحمة من جديد، والذهاب إلى النادي، وغيرهما من الممارسات التي باتت مسموحة، والتي تعرض حياة الجميع للخطر، دون أي خطة فعلية للمستقبل.

استسلام منذ اليوم الأول؟

منذ اليوم الأول لتفشي الوباء، لم تبدُ استجابة جونسون الأكثر مثالية. فهي تقاطعت إلى حدّ كبير مع استجابة عدد من الرؤساء الشعبويين حول العالم، ومنهم الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، والرئيس البرازيلي، جايير بولسونارو. وسرعان ما وضع هؤلاء بلدانهم في المراتب الأولى من حيث عدد الإصابات والوفيات حول العالم. وحالياً، تشكل نظريات أنّ «الوباء هو مجرد رشح عادي»، وأنّ «على الناس التعايش معه» مجدداً أساس خطوة جونسون الأخيرة.

في الواقع، تذكر صحيفة «ذا غونفرسايشن» (The Conversation)، أنّ رئيس الوزراء البريطاني تغيّب، في شهر شباط عن 5 اجتماعات «كوبرا»، وهي اختصار لـ«لجنة الطوارئ المدنية المنعقدة لمعالجة مسائل الطوارئ الوطنية أو الاضطرابات الكبيرة» في بريطانيا، التي عُقدت لدراسة الاستجابة للوباء المستجدّ آنذاك.

وفي أوئل آذار، ظهر «تفاؤل» جونسون مجدّداً، حيث قال بحماس: «كنت في أحد المشتشفيات حيث يوجد عدد من مرضى «كورونا»، وتصافحت يداً بيد مع الجميع»، قبل أن يعلن في الشهر نفسه، أنه قادر على «إرسال الفيروس بطرد خارج البلاد، في غضون سنة تماماً»، بحسب الصحيفة نفسها.

ومع انطلاق فصل الصيف الماضي، بدأ جونسون بتوجيه رسائل متضاربة، تُظهر تعطشه إلى عودة الناس إلى أعمالهم، فيدعوهم لذلك قائلاً: «أريد أن أرى نشاطاً. أريد أن أرى الناس يخرجون مرة أخرى، إنما بحذر».

وحالياً، لا ينوي جونسون إجراء تحقيق علني حول الوضع الوبائي في بلاده خلال العام الماضي، قبل ربيع عام 2022. في السياق، يؤكد عضو المجموعة الاستشارية العلمية للطوارئ (SAGE)، جيريمي فرارا، لصحيفة «ذا غارديان» أنّ هذا التصرف هو «وصمة عار، ولا يتخطى كونه مجرّد مناورة سياسية، تهدف إلى الحفاظ على سمعة رئيس الوزراء».

ويتابع: «نحن في حاجة إلى تقييمات مستقلّة ومتشددة لقدراتنا السياسية والبنيوية، والتي اتضح أنّ المملكة المتحدة تفتقر إليها في الجزء الأول من هذه الأزمة، كما يفتقر إليها بعض الوزراء أيضاً»، علماً أنّ المسؤول كشف أنه كان على وشك تقديم استقالته من منصبه، في وقت سابق، عقب قرار جونسون بعدم إغلاق البلاد في الخريف الماضي.