لم يكن النظام السياسي الحاكم أكثر تخبّطاً وضياعاً مما كان عليه خلال اليومين الماضيين. لا أحد من السياسيين كان يملك تفسيراً لما يجري. أصلاً، أركان النظام «مخلخلة». كلّ منهم يغني على ليلاه. لكن ذلك لم يمنع بعضهم من ممارسة وقاحته. النائب وليد جنبلاط خير مثال على ذلك. هو أحد المسببين الرئيسيين لأزمة النفايات التي أشعلت الحراك، وبيضة قبان النظام الفاسد. رغم ذلك، لم يجد حرجاً في التعبير عن دعمه للمتظاهرين، ثم «تركه حرية الحركة» لمحازبيه للمشاركة في الحراك، قبل أن يسحبهم بذريعة تدخل قوى سياسية فيه. أنصاره في الميدان تشبّهوا به، فقالوا لسائليهم إن نزول مناصرين لحركة أمل إلى ساحة رياض الصلح دفعهم إلى الانسحاب!


الوقاحة هي ما تحركّه في الظاهر. أما حقيقة الأمر، بحسب مصادر متقاطعة، أن جنبلاط واحد من قوى سياسية عدة تريد استثمار الحراك الشعبي لتحقيق غاياتها:
1- جنبلاط وشريكه الرئيس نبيه بري يريدان الاستناد إلى الحراك، للقول إن الأزمة التي تعصف في البلاد بحاجة إلى تدخل طارئ وعاجل من مجلس الوزراء ومجلس النواب المعطّلين. يريدان التخفف من عبء الجنرال ميشال عون وحليفه حزب الله، وإحراجهما تحت عنوان الأوضاع التي تكاد تفلت في الشارع. جنبلاط سافر قبل أيام إلى فرنسا، حيث التقى النائب سعد الحريري. حاول الأول إقناع الأخير بضرورة تخطي «فيتو» ميشال عون، والمضي باتجاه تفعيل مجلس الوزراء وإصدار قرارات فيه بالأكثرية. أداء يذكّر بالدور الذي لعبه جنبلاط يوم 5 أيار 2008، عندما أجبر الحكومة على اتخاذ قراراتها التي أشعلت البلاد في ذلك الحين. لكن أحداً لا يملك تفسيراً لأداء زعيم المختارة، باستثناء رغبته الجارفة في نيل رضى حكام السعودية الذين استفزوه باستقبال سمير جعجع استقبال الرؤساء، فيما هم حتى اليوم يرفضون منح جنبلاط بركتهم.
2- الرئيس نبيه بري رفض منذ يوم الجمعة فتح باحة مجلس النواب لتكون متنفساً للمتظاهرين. عرض عليه الأمنيون السماح للمتظاهرين بالدخول إلى الساحة، على أن تلف القوى الأمنية مبنيَي المجلس ومكاتب النواب بـ»زنار» أمني. عارض بري هذا التوجه، قائلاً لمن راجعوه إن ساحة النجمة خط أحمر. وطوال يوم أمس، شارك مناصرون لحركة أمل بكثافة في التظاهرات وما تلاها من مواجهات دقّت باب السرايا الحكومية.


حال تدخل السفير
السعودي دون تفاقم الامور، ودفَع جنبلاط إلى التراجع عن موقفه المؤيد للحراك


مصادر بري تؤكد أنه غاضب من هؤلاء المتظاهرين، وتجزم بأنه لا صلة للحركة بهم، وبأنهم يتحركون من دون أي قرار حزبي. على العكس من ذلك، رئيس المجلس لن يُصدر أي موقف، «وتصفية الحسابات في الشارع لا تعنينا، وكل هذه الاتهامات مش قابضينها». هذه الردود الحاسمة يقدمها المقربون من بري رداً على اتهامه بأنه يريد إفشال التحرك، وإحراج جميع القوى ودفعها إلى تفعيل مجلسَي النواب والوزراء، وصولاً إلى انتخاب رئيس للجمهورية، بما يطيح مواقف العماد عون وحظوظه الرئاسية. هذه الرواية يتناقلها بعض سياسيي 14 آذار بثقة، قبل أن ينتقلوا إلى معزوفتهم التقليدية بأن كل الحراك الذي تشهده البلاد ليس سوى صنيعة حزب الله. وليلاً، نفت حركة أمل في بيان كل ما تنشره وسائل الإعلام عن مشاركة مناصرين لها في الاعتداء على القوى الأمنية والممتلكات العامة والخاصة.
3- فريق 14 آذار، المحرَج الأول من صور اعتداء القوى الأمنية على المتظاهرين، ومن رفع المعتصمين شعار إسقاط رئيس الحكومة، يحاول استيعاب الصدمة والانتقال إلى الهجوم. رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع أعلن أمس وقوفه إلى جانب الرئيس سلام، تماماً كما الحريري. وقالت مصادر القوات لـ»الأخبار» إن النواب المنضوين في كتلتهم، سيعتصمون في مجلس النواب للمطالبة بانتخاب رئيس للجمهورية. ويرى تيار المستقبل والقوات أن حزب الله سيرضخ لمطلبهما، لأنه «ليس صاحب مصلحة في انفلات الأمور في الشارع، كونه لن يتمكّن من الاستمرار في القتال في سوريا إذا ما وقعت الواقعة داخل لبنان».
4- ثمة رواية إضافية يجري تناقلها بين الأوساط السياسية والأمنية، تتحدّث عن سعي قائد الجيش وفريقه الأمني ــ السياسي لاستغلال ما يجري في الشارع، للضغط باتجاه انتخاب رئيس للجمهورية. تقول الرواية إن قيادة الجيش رفضت يوم الجمعة الفائت تسلم الأمن في محيط ساحة النجمة. أراد الجيش النأي بنفسه، قبل أن تؤكد مصادر عسكرية أمس أن الجاهزية رفعت إلى الدرجة القصوى لدى «أفواج التدخل» المنتشرة في بيروت، «استعداداً للتدخّل إذا خرجت الأمور عن السيطرة، وفي حال طلب السلطة السياسية منا ذلك». يُقدّم قائد الجيش نفسه هنا الحل للأزمة. سياسيون كثر يرون في ذلك ترشّحاً شبه رسمي للرئاسة.
ما جرى خلال اليومين الماضيين، وتحديداً طريقة تصرّف جنبلاط، وسعيه لـ»ركوب موجة» الشارع ورمي كرة اللهب في وجه تيار المستقبل، ممثلاً بوزير الداخلية نهاد المشنوق، أغضب الحريري الذي لم يتفق في فرنسا مع رئيس «الحزب الاشتراكي» على تقاسم «جبنة النفايات». انقطعت خطوط التواصل بين الرجلين، فبدأ «وسطاء الخير» محاولة التوفيق بينهما. بعض المقربين منهما يرون في ما يجري محاولة للانقلاب على النظام. ولا بد من التواصل بين جميع القوى. لكن كل طرف منهما لا يزال على موقفه الغاضب من الآخر. تدخل السفير السعودي علي عواض العسيري حال دون تفاقم الأمور، ودفع جنبلاط إلى التراجع عن موقفه المؤيد للحراك. كما أن العسيري ومن خلفه قدّموا جرعة دعم لرئيس الحكومة تمام سلام. كذلك فعل الحريري الذي رفض أول من أمس، فكرة استقالة سلام لامتصاص غضب الشارع.
كل هذه القوى مجتمعة تريد الدفاع عن «نظامها»، لكنها في الوقت عينه تأبى التحاور مع عون، أو تقديم أي تنازل له.
حتى اللحظة، ورغم كل ما جرى، ومع شعور كثيرين منهم بالهلع، إلا أنهم لا يزالون يرفضون التحاور في ما بينهم لمحاولة مواجهة ما يجري. كل منهم لجأ إلى أسلوبه المعتاد. بري يلتزم الصمت. وسيجمع اليوم على مائدته جلسة حوار بين حزب الله وتيار المستقبل. التيار الأزرق عاد إلى عادته المفضلة: التحريض المذهبي والطائفي. فبدأ انصاره يتحدّثون عن مهاجمة حزب الله للسرايا الحكومية، وعن تهديدهم الرئيس سلام، وعن غزوهم لوسط بيروت. وفي محاولة لإرساء توازن في مقابل تحرك وسط بيروت، نزل أنصار المستقبل لقطع الطرقات في عدد من المناطق، تحت عنوان الدفاع عن رئيس الحكومة، والطائفة.
(الأخبار)