شكّلت مساهمة الوزير السابق شربل نحاس في خلفية الحراك الشبابي ــ من خلال الاجتماع الذي سبق المؤتمر الصحافي لحملة «طلعت ريحتكم» ــ عامل اطمئنان لكثيرين، أخافهم، في اليومين الفائتين، سلوك عدد من المنظّمين من جهة، والاتهامات المتبادلة بـ«التشبيح» و«الاندساس» و«العمالة» التي وجّهت من قبل أكثر من طرف إلى بعض المشاركين في التظاهرة الأخيرة من جهة ثانية. وقد بقي نحاس، حتى بعد انتهاء المؤتمر الصحافي، يتلقى اتصالات من إعلاميين وناشطين يستفسرون منه عن التطوّرات، أو يطلبون منه تسلم القيادة، لأن «ما عنا حدا يقودنا، لكي نكمل صحّ يجب أن تكون معنا، نحن نثق بك». يشكر نحاس محدّثه على هذه الثقة، مصرّاً على حصر مشاركته بـ«تقديم أي مساعدة تحتاجون إليها بعيداً عن أي دور».


بحرص شديد يختار نحاس مفرداته وهو يحكي عن تظاهرات الشباب الأخيرة. يصفها بالضوء الصغير الذي خرج من قداحة كاد غازها أن يفرغ، لذا يجب إحاطته بعناية. وبالتالي هو يرفض الدخول في الانقسامات الحاصلة والاتهامات المتبادلة «من المفيد توسيع الحلقة، وليس إجراء عملية إقصاء لأي طرف».
كعادته، يجد نحاس في كلّ تحدّ فرصة لتحقيق اختراق ما، لكن هذه المرة «يجب التعامل برويّة مع هذه الفرصة، خصوصاً أن القصة كبرت أكثر مما كان الشباب يتوقعون، وأكثر مما كانت السلطة تقدّر». فكيف يقرأ اليوم ما حصل؟
بالنسبة إلى نحاس، الموضوع تراكمي. يعدّد بسرعة محطات القهر التي عاشها اللبنانيون منذ انتهاء الحرب وتوقيع اتفاق الطائف مطلع التسعينيات. يومها، تسلّم أمراء الحرب وأصحاب رؤوس الأموال البلد. حصلت ممانعة لهذا التسليم للسلطة، لكنها لم تنجح. بعدها ولدت شركات المحاصصة وصناديقها (شركة سوليدير، صندوق المهجرين، مجلس الجنوب، إلخ...)، حصلت ممانعة لها لكنها لم تنجح أيضاً في وقفها. وفي عام 1996 أوقفت الاستثمارات وجمّدت الاجور، أيضاً من دون وجود قوة اعتراض قادرة على إحداث تغيير، واستمرّ الأمر على هذه الحال. يكبر الفساد وتتدنى الممانعة حتى وصلنا إلى عام 2005. يومها، اختلف السياسيون، ودخل لاعبون جدد إلى الساحة، فجرت محاولات للاختراق. يذكر منها نحاس مواضيع: التغطية الصحية، تصحيح الأجور، استعادة أموال البلديات، الحسابات العامة والموازنة... كذلك انطلق حراك «إسقاط النظام الطائفي» وتلاه تحرّكات «هيئة التنسيق النقابية».
هذه محطات، وغيرها، كانت تثير الحماسة لدى البعض قبل أن تمنى بالفشل بسبب عمليات التطويق والابتزاز التي كانت تتعرّض لها بشكل ممنهج ومدروس. لكنها محطات «كانت تراكم قهراً أيضاً» برأي نحاس، معتبراً أن سبب التحرّك الأخير هو وصول السلطة «إلى أعلى درجات الوقاحة في ممارساتها. عندما اختلف السياسيون على حصصهم في سرقة المال العام، وصل بهم الأمر إلى رمي الزبالة على العالم». عندها «تحرّكت العالم، قدحت القداحة الفاضية وعملت ضو صغير». وبما أن قراءة نحاس لما حصل تراكمية «يجب أن نتعلّم من الأخطاء التي حصلت سابقاً كي لا نخسر هذه الفرصة».
هي فرصة، لأن «تضعضعاً» حصل فعلاً في صفوف الطبقة السياسية الحاكمة، وظهر في التصريحات السياسة العلنية لعدد من المسؤولين، «قبل أن يعودوا إلى التآلف ويشكلوا جبهة مضادة حاولت الهجوم على التظاهرات من خلال خطة مدروسة، ما يعني أن اللعبة انفتحت ويمكن الردّ على كلّ خطوة من قبل الحكومة بخطوة مضادة من قبل المواطنين».


البلديات مدعوّة إلى الانضمام للتحرّك، وهي الهيئات الشرعية الوحيدة المنتخبة


يرى نحاس أن الحكومة «عمدت أولاً إلى قمع المتظاهرين، وتشويه تحركهم. وهذا قد يؤدي إلى امتناع البعض عن المشاركة في التظاهرات اللاحقة خوفاً من التعرّض للأذى، في حين يؤدي تشويه صورة المتظاهرين إلى توليد احتكاكات طائفية وربما أكثر».
الردّ على هذا القمع والتشويه يكون من خلال ثلاث خطوات: «أولاً، توقيف فوري لكلّ عسكري أطلق النار ولمن أعطى الأمر بإطلاق النار؛ ثانياً، إجراء تحقيق فوري يطال كلّ من أطلق النار ومن أعطى الأمر بذلك ومن امتنع عن ردع مطلق النار في حال كان قادراً على ذلك؛ وثالثاً محاسبة وزير الداخلية، وهو مطلب أكثر تقدّماً من مطالبته بالاستقالة، لأنه قد لا يستقيل»..
الهجوم الثاني للسلطة على التحرّك كان من خلال «التطويق والتهويل، إذ خرج رئيس الحكومة ليقول إنه قد لا يستطيع دفع رواتب الموظفين، وهو خطاب يشبه تماماً الخطاب الذي ووجه به حراك هيئة التنسيق النقابية، عندما قيل إن التلاميذ لن يتخرّجوا وسيبقون بلا شهادات وأن مستقبلهم مهدّد». الردّ على هذا الأمر يكون من خلال «تغيير الهيكل التنظيمي للتحرّك ودعوة الموظفين والنقابيين إليه، خصوصاً أن التهديد طالهم من قبل رئيس الحكومة».
في خطوة ثالثة، حاولت الحكومة إجراء «عملية استيعاب مستعجلة، من خلال المسارعة إلى فض العروض المالية للمناقصات والقول: انحلّت يا شباب. الردّ على هذا الأمر يكون من خلال ربط النزاع بالأساس، والتأكيد على أن هذه العملية غير مشروعة وباطلة».
أما الخطوة الرابعة، فكانت تحوير جبهة النار من خلال حديث سلام عن اعتداء على صلاحيته، ما يعني تحويل الموضوع إلى مشكلة طائفية. والردّ المباشر هو تحديد الخصم... أو الحكم في هذه القضية وهو: البلديات. إذ يرى نحاس أن ما يجري منذ سنوات هو استيلاء على أموال البلديات ومسؤولياتها، ونحن أمام موقفين «إما أن هذه البلديات موافقة على هذا الاستيلاء، وبالتالي هي خصم يجب ملاحقته لمساهمته في سرقة المال العام، وإما أنها ضحية فنقول لها: أهلا وسهلاً بها في التحرّك، خصوصاً أن هذه البلديات هي الهيئات المنتخبة الشرعية الوحيدة في لبنان اليوم والتي يمكن الركون إليها».