أكتب لك وأنا على يقين بأنه في الوقت الراهن، لستُ بحاجة إلى أن أكتب لمن يشاركون عرضاً في المظاهرات من الجمهور الوطني العريض. فهؤلاء اليوم كُثر، والفضل يعود إلى جهودك في تحقيق تجمّعهم والإتيان بهم الى الساحات العامة، مهما كان مآل هذا التحرّك. ما سأقوله قد يبدو باكراً أوانه ولكن، صدّقني، ليس الامر كذلك. سأطلب منك (طال عمرك) أن تتعهد مجموعة ثانية من النشاطات، في موازاة نشاطات تنظيم التظاهرات التي تتفرغ لها. أطلب منك أن تؤسس حزباً.


أبدأ بالاشارة الى أن من الحماقة، بل الاجرام، أن لا يأخذ المرء العبرة من الامثلة الناجحة التي في محيطه. أن لا يتلمّس المرء أن «الاحزاب السياسية» هي وسائل تنظيم عملية وأكثر فعالية من أجل تطبيق سياسات حكم، وأفعل محركات التغيير كما التجميد ودعم الامر الواقع. أكثر من كونها مجرد مجموعة من الهواتف الخلوية المُتخصصة في تنسيق النشاطات التعبوية، أو جعل الامور تحصل على مستوى أوسع، تُشكل الاحزاب بالنسبة إلى الناس الذين يتبعونها، ضمانة أن أي منحى أو مسعى يطالبون به سوف يأخذ المجرى الذي عملوا على تحقيقه.
إن الاماكن المهمة للتطبيق والاشراف على ما طالبوا به هي في أيدٍ يمكنهم الوثوق بها. هذا الامر، أن تحافظ على ثقة الناس، سوف يُشكل لك مشكلة عند لحظة معينة، كما كان الامر في حراكات عام 2011 عندما انتظمت التظاهرات بالطريقة نفسها التي انتظمت بها اليوم، بالاعتماد على صدفة رمزية جامعة (ثورتا مصر وتونس آنذاك) كما هي حال النفايات اليوم.
ربما يكون الامر قد أصبح مشكلة بالفعل، فيما بدا منذ يوم الاحد، الثالث والعشرين من آب، أن بعض مُنظّمي الحراك مشغولون أمام سائليهم الاعلاميين بتحديد «من تحديداً كان المشارك» في تظاهرة اليوم الماضي. وهي مشكلة تستحق المتابعة من دون شك، في حين أن معارضي الحراك من كل حدب وصوب يتّهمونه بتشكيل أداة خداع لمصلحة حزبٍ سياسي محدد.
لن تؤثّر هذه النزاعات في الجمهور المتعاطف في بداية الامر. فالسعادة والتفاؤل اللذان تبعثهما المشاركة في النشاطات الجماهيرية يشكّلان بحد ذاتيها حافزاً لمتابعة المشاركة. لكن هذه الحالة لن تستمر لوقت طويل. فالناس سيعودون الى أشغالهم اضطراراً، وأغلبهم أصلاً لم يصل الى مرحلة المساومة مع دوامات العمل. والحياة اليومية ستفرض نفسها بشكل أو بآخر، كما يحصل في أقصى الحالات «الثورية» بأي حال.
يصبح الناس المتعاطفون في حينه، في مواجهة الناس المعارضين للحراك، بسبب نزعات محافظة أو خوف سيكولوجي. سيُسأل الناس «ماذا تفعلون؟» و»من تتبعون؟» و»الى أين تذهبون بنشاطكم وبالبلد؟». وهي كلها أسئلة منطقية، لأنها تبتغي الوضوح. إن التظاهر مُجرد وسيلة من بين عدة وسائل لتحقيق غاية، ولا يمكن متابعته الى الابد. وقد تذهب جهوده هدراً إذا لم تَستثمر أي بنية مكتسباته الرمزية. وهنا تبرز أهمية الحزب، أو البنية الحزبية. فالحزب يعني التنظيم المُنتظم، بحيث يمكن متابعة التحركات بوثوق عند الحاجة اليها. يمكن عندئذ تنظيم تظاهرة مجدداً، وتطبيق تغييرات استراتيجية في مسارها تتناسب وتغيّر الظروف في مواجهة الحكم. لكن الحزب يشكل أيضاً وجهة واضحة وثابتة، يمكن العودة اليها وأخذها مرجعاً، إذ يعبّر عن موقفه بالبيانات المختومة والرموز الخاصة، فيمكّن الناس من تسليم ثقتهم من دون أن يشعروا بأن رأيهم، في المجال العام، يستند الى «مزاج» فردٍ من المنظمين لا يحاسبه في الاخلاق والرصانة إلا نفسه.


إن وجود ممثلين
لكم ذوي صفة نضالية وطنية قد يساعدفي السيطرة على الامور

ولأن الناس ينسجمون مع وجود ومنطق التمثيل الحزبي، يمكنهم القبول بأن يلتقط حزب ما النصر الذي عملوا من أجله من خلال تظاهرهم. لأنه لا بد أن يمسك أحدهم بمراكز القرار والدولة، ولأن معظم الناس مشغولون بمقتضيات حياتهم اليومية. مهما كانت الاهداف التي ستستقر عليها التحركات، ومهما كان تطوّر الاحداث، سوف تحتاج التظاهرات الى جهةٍ تلتقط الفرص (أو النافذة) التي قد تفرضها، وسوف تبرز الحاجة عند الناس إلى التأكد من أن ما تظاهروا من أجله سوف تتم متابعته عندما يتوقفون عن التظاهر. ليس هناك في التاريخ البشري من منطقٍ سياسي اجتماعي ينافي هذا المنحى. عليك، وغيرك، بتأسيس حزب أو أكثر، على اختلاف آرائكم. إذا كان هناك من حزبيين بينكم، فعليهم أن يستثمروا اللحظة العاطفية والمناسبية التي يقدمها الحراك ويعيدوا استملاك سياسة حزبهم، ولو استعصى استملاك الامانة العامة أو الرئاسة.
إذا وَجد بَعضكم أنه لا وقت لتأسيس حزبٍ، اجعلوا أحداً تثقون به، أو بها، ممثلاً لكم ولمطالبكم ومتحدثاً باسمكم. والافضل أن تختاروا شخصية ذات رصيد نضالي، شعبي ووطني، أي شخصية تعرف الحكم وحيله، ولن يتمكن الحكّام من خداعها. ولا يَسعني إلا أن اقترح اسمي شربل نحّاس وحنّا غريب. لكن يبقى هذا رأيي الخاص، ونتيجة انحيازي، هذان هما من اختار في المرحلة الراهنة. والمظاهرات ليست ملكي لكي اختار باسمها، ولا هي لكم أو لأي أحد. هي في الختام ما تحققونه من خلالها.

■ ■ ■


في الوقت الراهن، وبالعلاقة مع الاحزاب السياسية القائمة والمهيمنة، على المرء أن يجذب جمهورهم وأخذه على محمل الجد. لا يمكنكم، بما أنكم لستم فريقاً منظماً ــ أي تنظيماً يقدم وسائل متعددة لتحقيق غايات وليس وسيلة للتظاهر فقط ــ لا يمكنكم رفض مشاركة أحزاب أخرى في التظاهر (وهذه ليست دعوة مبطّنة للترحيب بالدعوة العونية للمشاركة). سيبدو الامر بالنسبة إلى بعض جمهور الاحزاب أحمق، للأسباب المذكورة أعلاه، لأنكم لستم في المرحلة الراهنة سوى محركٍ للتحرك. «كيف ستحققون ما تطلبونه؟» سيسألكم الجمهور الحزبي وغيره، عن حق.
لكن يمكنكم، في المقابل، تنبيه جمهور الحزبيين ومناصري الاحزاب إلى أن «هذا الحزب» يقوم بـ»ذاك الامر» بغية استغلال التحرك المشترك، وفي الوقت نفسه، يمكنكم دعوة جمهور مناصري الاحزاب الى المشاركة. يجب أن تقولوا لجمهور الاحزاب إنكم لستم بكارهيهم، أو خصوماً لهم، وتذكيرهم بأن الهم مشترك، وأن كليكم يكره الفاسدين. ويجب أن تتخلوا عن معزوفة أن «الشعب قطعان» التي لا تنفع إلا في الترقيات الاعلامية. فالجمهور يعرف أن الفاسدين قاطنون في داره. ان إحراج الاحزاب السياسية في نظر جمهورها يجب أن يكون أولوية، وهو يفرض نفسه لا محال عند كل من يدخل الحقل السياسي، وهناك سبل للقيام بذلك من دون الرجوع الى الاهانات الضبابية أو المطلقة (من صنّف «كلهم فاسدون وفي كافة المواضيع وبنفس الدرجة»). فتذكر أن جمهور الاحزاب لديه أسباب عقلانية لتأييد أحزابه، والموضوع لا يُفهم باستعارات عن القطعان.
إذا تركتم الحراك لمنطق «التظاهر من أجل التظاهر»، علماً وأكرر أن التظاهر لا يدوم طويلاً، فلن يبقى للأهواء الاعلامية، ومن ورائها المعارضون للحراك، إلا توصيفات «القطعان» تعليقاً على نشاطكم. وقد بدأت هذه بالفعل ولعب بعضكم لعبتها، في توصيف «المندسّين» الذي اُطلق على من اعتُبروا «شباب خندق الغميق»، فيما ظاهرة الشباب المراهق العنيف والناقم على كل أشكال السلطة، ظاهرة موجودة في آلاف الاطارات المدينية التي تتسم بمركزٍ سكني وتجاري فاحش وبأطرافٍ فقيرة ومحرومة.
إذا كان صحيحاً أن هؤلاء الشباب، ذوي الطباع الصادقة، مهما كانت «مُضرة»، هم «مُرسلون بإيعاز» من نبيه بري، فهذا يعني أن خصمكم، بمنطق التظاهر والشارع، قد تغلّب عليكم.
كان يجب أن يتخصص البعض منكم، منذ ساعات النهار الاولى التي ظهر فيها هؤلاء، في التحدث معهم، وجرّهم قدر المستطاع الى خطتكم، أو تعديل خطتكم على ضوء وجودهم، من خلال الدعوة الى التجمع في مكانين، مكان أمام القوى الامنية ومكان في ساحة مفتوحة لا تفتح شهية المواجهة لفئات الجمهور المسالم. والاستمرار في إدانة «الشباب المندس» قد تنسي المشاهدين أن القوى الامنية تصرّفت بعنف مع المتظاهرين حين كان «الشباب المندس» غائباً، وسيبدو الحكم في موقعٍ أخلاقي أعلى من موقعكم، بصفة المخلّص من الشباب المندسّ.
ماذا سيكون ردّ فعلكم إذا نشب عصيان في مناطق الاطراف اللبنانية، وقام الناس فيه بحرق منزل نائبٍ فاسدٍ، كما يحصل عادة في الكثير من الانتفاضات الشعبية؟ إذا لم «تتلوث» تظاهرتكم، وكان السلوك المسمى بالمندسّ في غير منطقة وسط بيروت، هل ستدينونه؟ هل المقصود أن الغضب من الحالة المعيشية والسياسية أصبح حكراً عليكم؟ هكذا ستُفهمون عند بعض الجمهور، وأنتم تريدون هذا الجمهور في خندقكم. إن الشارع لعبة غير ثابتة، لا تحتاج بالضرورة الى العدد المليوني لتحقق التغيير، وتحريكه في مرحلة أزمة سياسية واجتماعية وطنية يفترض الاستعداد لتجليات متنوعة من «المشاركة» الشعبية والقدرة على الاستفادة ممّا يبرز في تعزيز موقفكم، وليس التمسّك بثبات صورة متخيّلة لتظاهرة أبدية لا يخرج الطفل من صفها المرصوص. إن وجود ممثلين لكم ذوي صفة نضالية وطنية، يخطبون في الناس باسمكم وباسمهم، قد يساعد في السيطرة على الامور. والتنظيم الحزبي، القابل للتوسع ولاستقطاب المتحمسين، لا غنى عنه في ترتيب علاقتكم مع التظاهرة ومع الناس ومع المتحدّثين بإسمكم ومع تحقيق التغيير المنشود.