يتأوه عبد الرحمن الجويدي من دون القدرة على أن يتحسس الوجع الناجم عن الحروق التي تغطي جسده بسبب الرباط في يديه. يشكو من وجع في عينيه، فينادي والدته لتفركها بمنديل. يشعر كأنه مقيد على سرير المستشفى. يشيح بوجهه يميناً ويساراً بغضب مكتوم. كأن عبد الرحمن لم يفرغ غضبه كله عندما أشعل النار بجسده عصر الأحد أمام سرايا صيدا بالتزامن مع الاحتجاجات في ساحة رياض الصلح. لا يمت ابن التسعة عشر عاماً بصلة إلى حراك شعبي أو حزبي أو طائفي. لم يشارك في حياته بأي تظاهرة أو اعتصام. لكنه يمتلك في بيته أسباباً كثيرة لكي يشعل ما حوله، فاختار أن يشعل جسده المطروح مصاباً بحروق من الدرجة الثانية.

إنه الشقيق الوحيد لابنتين. والده محمد الجويدي درس في الاتحاد السوفياتي هندسة الكهرباء، لكنه لم يعمل يوماً في اختصاصه منذ عودته إلى لبنان. ليست لديه «واسطة». تنقل بين مهن مختلفة إلى أن صار المهندس «حلونجياً». عبد الرحمن نشأ في المنزل المتواضع في حي الفيلات الشعبي في صيدا. اختصر طريق العمل، فتوجه نحو المهنية الرسمية في صيدا حيث يدرس الديكور الداخلي. في أيام العطل يعمل في شركة متخصصة بالمسابح. يفضل عبد الرحمن الصمت ويلوذ في وجعه. قبالته، يجيب والده عن الأسئلة قبل أن تخنقه الحسرة. يستعيد مجريات يوم الحادثة. يقول إنه واكب مجريات الاعتصام في بيروت، وكان غاضباً. بعد الظهر، غادر المنزل من دون أن يخبر أحداً، قبل أن تتبلغ عائلته بما حصل معه. أمام سرايا صيدا، وصل عبد الرحمن، ساكباً على جسده مادة البنزين ويحمل قداحة بيده. بدأ بالصراخ بوجه حراس السرايا، مردداً شعارات مطلبية. بعضهم أخذ يضحك منه، وآخرون توجهوا نحوه يحذرونه من الاقتراب. هددهم بإشعال النار إن مسّوه. ما إن اقتربوا منه حتى أشعل النار بجسده. آخر ما يذكره، لهب النار تشتعل من حوله قبل أن يفقد وعيه. عندما استفاق في مستشفى صيدا الحكومي قال إنه قام بذلك «لأننا تعبنا من البلد ومن كل شي. لا كهرباء ولا ماء ولا شغل ولا شي». يشعر هو ورفاقه باليأس المزمن من وضع البلد. لكن الشرارة التي دفعته إلى إشعال نفسه في ذلك اليوم، كانت مشاهد قمع المتظاهرين في بيروت مع شعاراتهم فيما الكهرباء والمياه مقطوعة في الحي.
يشير والده إلى أن أحد العناصر الأمنيين الذين حققوا مع عبد الرحمن، اعتبر أن ما قام به جريمة. لم يسأل عنه أي مسؤول صيداوي، يلفت الوالد الذي لا يوافق على أسلوب ابنه الاحتجاجي. عبد الرحمن لا يشعر بالندم، بل بالحسرة، حسرة مضاعفة لأن وزارة الصحة لا تتحمل نفقات علاجه الذي لا يقل عن شهرين. يتعهد عبد الرحمن بعدم تكرار ما فعله. بعد شفائه، سيكمل دراسته ويفكر جدياً في السفر.
في صيدا، اختار شبان وشابات الاحتجاج على وضع المدينة بالاعتصام في ساحة الشهداء مساء أمس. أطلقت حناجرهم الشعارات والأناشيد الثورية. تجمعوا بدعوة من الحراك الشعبي في صيدا والحزب الديموقراطي الشعبي والتنظيم الشعبي الناصري. وقبل ظهر أمس، تجمع عدد من النشطاء ومناصري الحزب الشيوعي اللبناني أمام سرايا النبطية لليوم الثاني للتضامن مع التحركات الاحتجاجية في بيروت.