يروي أحد المسؤولين العارفين قصة ما حصل في ساحة رياض الصلح نهاية الأسبوع الماضي، بكل أسرارها وخفاياها.

يقول إن المسألة لا تفهم، إلا إذا بدأنا بسردها من بدايتها، أي من واقع قيام «دولة الزعران». دولة الزعران هي فعلياً دولة المافيا السياسية الاقتصادية المصالحية والريعية، التي قامت في ظل زمن الوصاية السورية، واستمرت خصوصاً وفي شكل أكثر فاعلية وتقية، بعد زوال تلك الوصاية. وهي دولة عابرة للطوائف والمذاهب.

لا بل قد تكون التركيبة الوحيدة في البلد التي تجمع السني والشيعي والدرزي والمسيحي، في مافيا تتنافس في لعبة السياسة شكلياً، وتتطابق في نهب الدولة فعلياً. لا بل تبدو هذه الثنائية ضرورية لقيام تلك المافيا. فتعدد طوائفها أساسي لإرضاء إستابليشمانت الطوائف والمذاهب، أي إن تعددها الطائفي ضروري لضمان صمت تلك المجموعة الدراكولية المكونة من أقل من ألف شخص، والحاكمة الفعلية للبلد، والتي كشفت عن وجهها في أكثر من استحقاق ومحطة، وظلت محمية ومحصنة. ثم إن هذا التعدد الطائفي داخل المافيا نفسها ضروري لتمثيل مسرحية الصراع الطائفي المذهبي في البلد، وذلك من أجل ضمان انقسام الناس من تحت، مقابل استمرار نهبهم من فوق. ضروري من أجل تفتيت الناس وتفريقهم قبائل وعشائر وزواريب، بما يؤمن عدم اتفاقهم ضد تركيبة المافيا التي تحكمهم وتسرقهم، وفي الوقت نفسه، تمثلهم وتحميهم!
كل مرافق البلد وثرواته ومغانمه ومزاريب ذهبه ومناجم أخضره وأبيضه وأسوده... تحت يد تلك المافيا. لا شيء خارجها. والأهم أن لا شيء يقدر على مساءلتها أو محاسبتها. كل السبل إلى ذلك مسدودة أو معطلة أو مروضة أو مدجنة. القضاء؟! بات أقرب إلى القدر. الإعلام؟! في أحسن الأحوال وجهة نظر. الانتخابات؟! باتت خياراً ممكناً فقط لطويل العمر. هكذا ارتاحت المافيا، اطمأنت دولة الزعران، منذ عقد كامل، إلى أن تركيبتها القائمة منذ ربع قرن على الأقل، مكينة متينة حصينة...
يتابع المسؤول روايته: فجأة جاءت مجموعة من الشباب. طلعوا من المجتمع المدني ومن الجامعات ومن جمعيات الرفض والكرامة. حملوا شعاراً قاتلاً: «طلعت ريحتكم»، وبدأوا العمل، كنحت صخر بإبرة، أو كإفراغ جبل زبالة بكشتبان نقاء. فتسلل القلق إلى دولة الزعران. دخل الخوف إلى أقبية مافيوزييها ووصل الجزع إلى «كوسيلييرييها». ما العمل؟ في البداية حاولوا اختراقهم واحتواءهم. لكنهم سرعان ما اكتشفوا فشل المحاولات. أصلاً، لا شيء مشتركاً بين «البشرين». شاب يحمل لافتة تقول إن «جون سنوو حي»، كيف لدولة الزعران أن تفهم عليه أو يفهم عليها؟! اللغة حتى مختلفة. كل ما بين الاثنين متناقض.
عندها لجأت دولة الزعران إلى الخيار الثاني: إرهابهم! نزلوا عليهم كالصاعقة بالهراوات والصهاريج، وصولاً حتى الرصاص الحي. لم ينفع كل ذلك. لم يزرعوا الخوف فيهم، بل صار دمهم حاضنة أكبر لنضالهم وتحولت جراحهم رحماً أخصب لولادة ثورة شعب كامل. لا بل ارتفع سقف المطالب. انتقل من نفايات إلى انتخابات. ومن مناقصة إلى نظام. فصار الخطر أكبر، وصارت الضرورة ملحة لخطة طوارئ أخرى، ولاستخدام آخر رصاصة.
تحت جنح ليل، يقول المسؤول العارف، انسحبت دولة الزعران من الساحة. اختفت بكل قواتها وبزاتها وجزماتها. وحضر بكل جاهزيتهم... «زعران الدولة». من هم هؤلاء؟ في الشكل والظاهر، هم أبناء أحزمة البؤس. ضحايا الفقر والعوز والحرمان. ضحايا دولة الزعران نفسها. هم الذين دفعتهم السلطة إلى رصيفها وقارعة وسط عاصمتها. جعلت منهم فوضويين ولامجتمعيين ومشاغبي أزقة. لكنهم بالفعل والتحريك والتركيب المخابراتي، أزلام دولة الزعران لا غير. تتبادل معهم أدوار الحماية والخدمات وعلل الوجود. دولة الزعران تخلق بفجور سلطتها زعران الدولة. وزعران الدولة يبررون بتفلتهم بقاء دولة الزعران. نزل هؤلاء إلى الساحة، بكل ما يدركون فعله ويحترفون تنفيذه. يروي المسؤول نفسه أن هؤلاء أيضاً عابرون للمذاهب. يعرض صور «رياسهم» و»قبضاياتهم» وزواريب معاقلهم. هذا فلان زلمة هذا الزعيم. وذاك زلمة ذلك التيار. يتشاركون في فقرهم وبؤسهم وعوزهم الذي جعل منهم أعداءً للمجتمع، وبيادق في أيدي سلطته.
ما كانت المحصلة؟ مساء الأحد كان اللبنانيون، وصار خصوصاً شباب التغيير، أمام صورة فاقعة: إما الفوضى التدميرية التي دُفعت في وجوههم، وإما المافيا التكفيرية المفروضة على رؤوسهم. صاروا أمام شرين، لا أهون بينهما: إما زعران الدولة وإما دولة الزعران...
لم يكن ينقص اللعبة الجهنمية إلا فضّ عروض وزير البيك: النتيجة ستة ميني سوكلينات. كلها بأسعار أعلى من الأم الشرعية وغير القانونية. حتى يقال للناس الذي رفضوا واعترضوا: تفضلوا! لم تعجبكم سوكلين وملايين سوكلين؟! خذوا منا من الآن فصاعداً سوكلين مضروبة بستة أضعاف. وبأطنان أغلى. وبلا مطامر حتى. حتى تطمروا ثورتكم وتدفنوا انتفاضتكم وتخضعوا وتخنعوا وتركعوا، لدولة المافيا. كيف سيجيب الناس؟ إنه التحدي للأيام المقبلة، في وجه دولة الزعران وزعران الدولة معاً...