الحصيلة التقريبية لاعتقالات قوى الأمن العشوائية، بلغت 87 معتقلا لدى قوى الأمن الداخلي، و17 معتقلاً لدى استخبارات الجيش. حتى أول من أمس أخلي سبيل معظمهم، فيما أُحيل عدد قليل منهم الى المحكمة العسكرية، إلّا أنّ الناشطة في حملة «بدنا نحاسب» نعمت بدر الدين لا تُلغي إمكانية أن يكون هناك معتقلون آخرون لا نعلم عنهم شيئاً، إذ إنّ القوى الأمنية وبخرق فاضح للقانون إمتنعت عن إعلان أسماء المعتقلين لديها. حتّى اليوم أُلفت لجنتان من المحامين لمتابعة عمليات الإعتقال العشوائية للمتظاهرين.


تقول الباحثة القانونية سارة ونسا، العضو في احدى اللجنتين، انه «لا تزال عملية توثيق الإنتهاكات في بدايتها». يتبيّن من خلال الشهادات التي وثقتها حتى اليوم اللجنتان أنّ السلطة ارتكبت إنتهاكات خطيرة أبرزها:
- توقيف قاصرين والتحقيق معهم من دون تبليغ الأهل ودائرة الأحداث ومن دون حضور مندوب عن الأحداث. تروي ونسا أنّ الطفل شربل داوود البالغ من العمر نحو 14 عاماً بقي أهله يبحثون عنه طوال الليل ليتبيّن لاحقاً انه لدى استخبارات الجيش.
- إجراء فحوص بول بهدف إسقاط أي تهمة على المعتقلين: يمثل هذا الأمر إنتهاكا صارخا لحقوق المحتجزين إذ إن هؤلاء لم يجرِ توقيفهم بشبهة التعاطي وبالتالي كانت القوى الأمنية تبحث عن تهمة لإبقاء اعتقالهم. يوضح المحامي واصف حركة، أحد أعضاء لجنة المحامين، أنه من بين أكثر من 100 معتقل إتّضح انّ هناك شخصاً واحداً فقط ثبتت عليه تهمة التعاطي، ما ينسف الإشاعات التي أُطلقت، والتي ألصقت تهمة التعاطي بالمتظاهرين، كما أنّ إجبار الموقوفين على دفع تكلفة الفحص تعدّ أيضاً مخالفة، إذ إن الدولة مجبرة على إجرائه على نفقتها، وقد جرى توثيق حالة إبتزاز للأهالي على يد القوى الأمنية التي هددت أهل أحد الموقوفين بالتلاعب بنتيجة الفحص ما لم تُدفع تكلفة الفحص البالغة 50 الف ليرة لبنانية.
- عدم السماح للمعتقلين بالإتصال بأهاليهم أو بالمحامين: يمثل هذا الأمر مخالفة للمادة 47 من قانون أصول المحاكمات الجزائية.


من بين أكثر من 100 معتقل اتّضح انّ شخصاً واحداً فقط ثبتت عليه تهمة التعاطي




- تأخر قوى الأمن الداخلي في إعلان أسماء المعتقلين وامتناع إستخبارات الجيش عن الإعلان عن الموقوفين لديها سوى بعد العديد من الضغوط. تقول نعمت بدر الدين إنّ استخبارات الجيش أنكرت في البداية وجود أي من المتظاهرين لديها، كذلك نفت قوى الأمن الداخلي وجود بعض المتظاهرين لديها ما أجبر المنظمين على اعتبارهم مفقودون، «عندها إتصل مصدر أمني وأبلغنا انّ هناك 17 شخصاً لدى مخابرات الجيش».
- عدم تحديد مكان وتوقيت إلقاء القبض على الموقوفين والحالة التي ضبطوا فيها.
- استخدام العنف بغرض الأذية والاعتقال ما أدّى الى إصابات خطرة وحرجة لدى المتظاهرين.
إضافة الى هذا، يبدو أنّ القوى الأمنية تستعد لحملة اعتقالات جديدة إذ تقول بدر الدين أنّ «عدد من المعتقلين الذين أُخلي سبيلهم ذكروا أنّه عُرض عليهم صور لأشخاص في التظاهرات من أجل التعرّف عليهم بهدف اعتقالهم»، كما أنه «جرى استدراج أحد المتظاهرين عبر الاتصال به والطلب منه التوجه الى المخفر بقضية ضبط سير، ثم جرى اعتقاله بسبب مشاركته في التظاهرة». وتضيف بدر الدين انّ « القوى الامنية غرّمت جميع المتظاهرين الذين لا يحملون هوياتهم مبلغ 200 الف ليرة بتهمة عدم نقل هوية».
كلّ هذه الإنتهاكات أثبتت الحاجة الماسة الى تأليف لجان محامين للدفاع عن المعتقلين، فتشكّلت اللجنة الأولى ليل الثلثاء عقب حملة الإعتقالات الجماعية وجرى توكيل عدد من المحامين لمتابعة قضية المعتقلين وإخلاء سبيلهم. وقد قابلت اللجنة أمس المدعي العام التمييزي القاضي سمير حمود وأبلغته الإنتهاكات الكبيرة التي حصلت، مشيرةً إلى انّ الذين أوقفوا هم معتقلو رأي. ووفق حركة، فقد أبلغ حمود اللجنة انه «طلب من قيادة قوى الأمن الداخلي عدم التعامل بقوة مفرطة مع المتظاهرين، وعدم توقيفهم سوى بالجرم المشهود. كذلك التعميم على المخافر عدم التأخر في الاتصال بالمدعين العامين والسماح للموقوفين بالاتصال بمحاميهم وأهاليهم، وإلغاء التوقيف على اساس شبهة تعاطي المخدرات». وقد عقدت اللجنة أمس إجتماعا قانونيا لاستكمال الدعاوى المرفوعة على الذين جرى تحويلهم الى المحكمة العسكرية بتهم اعمال الشغب، وسيجري تقديم دعوى قضائية موحدة من المصابين، الذين تعرضوا للضرب أثناء الاعتقال، ويجري تجهيز تقارير الأطباء الشرعيين التي تثبت خطورة الإصابات التي تعرّض لها المتظاهرون.
أمّا اللجنة الثانية، فقد تألفت أول من أمس وهي تتألف من نحو 25 محاميا متطوعاً، إذ إن الأعداد الكبيرة للمعتقلين وتوزّعهم على العديد من المخافر والأجهزة الأمنية يتطلّب توسيع إطار التدخل القانوني، وتؤكد الحاجة الى التنسيق والجاهزية تامة. تقول المحامية غيدا فرنجية إنّ هذه اللجنة تعمل على مستويين:
لجنة الطوارئ والتوثيق: تضم أكثر من محامٍ حاضرين دائماً للتحرّك الفوري في حالات الإعتقال، وخصوصاً أنه يجري توزيع المعتقلين على أكثر من مخفر، ويمكن التواصل مع اللجنة على الخط الساخن 78935579. كذلك توثّق هذه اللجنة حالات الإعتقال القديمة والحديثة وشهادات المعتقلين من أجل المحاسبة لاحقاً. اما لجنة المحامين، فمهمتها متابعة قضايا المعتقلين الذين يجري تحويلهم الى النيابات العامة.
وتؤكد فرنجية أنّه «المطلوب من المتظاهرين تعميم الخط الساخن على الجميع من أجل الإبلاغ عن حالات الإعتقال والطلب من القوى الأمنية عند توقيفهم التواصل مع اللجنة لتوكيل محامين». كذلك تقول فرنجية انّ «على المتظاهرين الصراخ بأسمائهم عند اعتقالهم من أجل معرفة وضعهم، إذ إن القوى الأمنية تمتنع في بعض الأحيان عن إعلان الأسماء».
من جهة أخرى، ستواجه الحكومة اللبنانية حرجاً عالمياً في شهر تشرين الثاني خلال المراجعة الدورية الشاملة لسجل لبنان في حقوق الإنسان في الأمم المتحدة، إذ يعلن محمد صفا الأمين العام لـ«مركز الخيام لتأهيل ضحايا التعذيب» أنّ جميع الإنتهاكات ستُقدّم الى الأمم المتحدة موثّقة بالصور والشهادات لكيفية استخدام قوى الامن للعنف مع المتظاهرين. كذلك، سيجري تقديم وثيقة بعنوان «لبنان تعذيب وانتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان»، في منتصف أيلول، خلال الدورة الـ 30 لمجلس حقوق الانسان في الأمم المتحدة في جنيف. تضم هذه الوثيقة جميع الإنتهاكات التي مارستها الدولة خلال التحركات منذ 22 آب. يقول صفا إنّ هذه الوثيقة ستكون «شكوى عاجلة لمجلس حقوق الانسان ولإعلام المجتمع الدولي بما تقوم به الحكومة اللبنانية من انتهاكات لاتفاقية مناهضة التعذيب والاعلان العالمي لحقوق الانسان».
أمّا منظمة «هيومن رايتس ووتش»، فقد أكّدت استخدام القوى الأمنية للرصاص الحي أثناء التظاهرات، وذكرت أن فريقها «جمع طلقات فارغة من عيار 5,56 ملم ـ التي تستخدم لبنادق «إم16» الخاصة بقوى الأمن اللبنانية من الموقع». ويؤكد نديم حوري، نائب المدير التنفيذي لقسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، انّ على القضاء اللبناني أن يظهر قدرته على الارتقاء إلى متطلبات اللحظة، ويحاسب المسؤولين عن استخدام العنف المفرط، إذ جرت العادة في لبنان على أن تُفتح التحقيقات من دون أن تصل الى أي نتيجة».