غبطة النبطية الأحد المقبل ستكون مضاعفة: تنظيف الشوارع واستقبال الرئيس نبيه بري الذي تغيّب في السنوات الأخيرة عن الحضور شخصياً في مهرجان شعبي بسبب التهديدات الأمنية المحدقة. بخلاف العامين الماضيين، قررت «أمل» العودة إلى الشارع، واختارت ساحة عاشوراء التي شهدت احتفال عيد التحرير الذي نظّمه حزب الله أخيراً. أمس، وجّه بري نداءً للمشاركة في احتفال هذا العام الذي سيحضره شخصياً على نحو مبدئي. دعا الجميع «إلى رحاب الصدر والمشاركة في يوم الوفاء له ولرفيقيه ورفع راية حريتهم». واستعاد بري «نظرة الصدر إلى صورة الساحة اللبنانية: إن الحرمان يخلق شعور الغضب ويجرح كرامة الإنسان ويؤثر في الولاء للوطن واحترام القوانين». وحماية لذاك الإنسان من جرح كرامته، بادرت «أمل» أخيراً إلى رفع النفايات المتراكمة في الشوارع الرئيسية والمؤدية إلى مكان الاحتفال. لكن المبادرة مختصرة، تبدأ قبل موعد الاحتفال بيومين وتنتهي بعده. قبل بدء أزمة النفايات في المنطقة منذ شهر، كان قد تقرر تنظيم الاحتفال السنوي. بينما كان عناصر «أمل» يرفعون اليافطات والرايات الخضراء للمناسبة، كانت أكوام النفايات ترتفع في الشوارع والأحياء، بعد قرار بلدية الكفور إقفال مكب البلدة الذي كان يستقبل نفايات المدينة وبلديات المحيط، علماً بأن مشكلة النفايات «محلولة» في النبطية.


منذ عام ونصف، بات معمل معالجة النفايات في الكفور جاهزاً. لكن المناقصة التي خصّصت لتلزيمه لإحدى الشركات لتشغيله، رست على شركة «معمار» التي يعتبر أصحابها من أنصار «حزب الله»، في حين كان الاتفاق من تحت الطاولة بفوز شركة «يامن» التي يعتبر أصحابها من أنصار «أمل». حصل خلاف، تردّد بقوة بعده أن حركة «أمل» مارست الضغوط على رئيس اتحاد بلديات الشقيف المكلف بتشغيل المعمل لإلغاء المناقصة، مستخدماً بنداً في الاتفاقية مع وزارة التنمية الإدارية المشرفة، يسمح له بتعطيل أي عقد.
المشاكل والنكايات ليست بين الحزب و»أمل» فقط، بل داخل التنظيم نفسه. قبل أسبوعين، استطاع النائب هاني قبيسي إقناع رئيس بلدية زوطر الغربية بتحويل عقار في مشاعات البلدة إلى مكبّ صحي مؤقت إلى حين تشغيل المعمل. بدأت أعمال الحفر والجرف، قبل أن يظهر اعتراض لأهالي زوطر والبلدات المجاورة، وهو اعتراض كان مدعوماً من قبل حركة «أمل».
المأزق المتزايد مع ارتفاع أكوام النفايات، دفع برئيس بلدية النبطية أحمد كحيل، المحسوب على الحزب، إلى الاتفاق مع بلديات المنطقة على استقبال كميات من النفايات بالمداورة. كل ليلة، وتحت جنح الظلام، ترفع شاحنات البلدية حوالى 40 طناً (من أصل حوالى 70 طناً تنتج يومياً) ويوزعها على المكبات العشوائية في تلك البلدات. أحياناً، كان بعض الأهالي يتصدون للشاحنات ويمنعونها من إفراغ حمولتها.
ربطاً بالاحتفال، تعهدت حركة «أمل» بتنظيف النبطية ورفع نفاياتها ونقلها إلى المكبّات العشوائية في البلديات المحسوبة عليها (اتحاد بلديات الشقيف مؤلف من 18 بلدية لأمل و11 للحزب). وسوف تنظف الشوارع الرئيسية والمربع المحيط بساحة عاشوراء بدءاً من اليوم الجمعة أما بعد؟
اجتماع بلدية النبطية مساء أمس لم يتوصل إلى حل. بحث في افتتاح معمل خاص بالمدينة يغني عن معضلة معمل الكفور المستحيلة، حتى يصار إلى تأمين التمويل اللازم ثم تشييده ثم تلزيمه ثم تشغيله، فالزمن طويل. حتى ذلك الحين، كُلف رئيس الاتحاد محمد جابر بترؤس وفد من رؤساء بلديات المنطقة لزيارة المرجعيات المعنية في الحزب وأمل، لإقناعهم بالموافقة على تشغيل معمل الكفور.


خلافات أمل وحزب الله تعطّل معمل الكفور على حساب البلديات


لا يبدي كثيرون تفاؤلاً بحصيلة الجولات. يعلقون الأمل على عين التينة وحدها. يدركون أن القرار ليس في النبطية ولا في أيدي نوابها الذين لم يسجل لهم موقف منذ بدء الأزمة. لكن ماذا عن عين التينة؟ قبل إطلاق مناقصة النفايات، ساد الظن أن «أمل» ستكلف «يامن» بتشغيل معمل الكفور من خارج أي مناقصة تلتزم بها المناطق الأخرى، لأن المعمل والمطمر جاهزان، بخلاف مأزق المناطق الأخرى. شملت النبطية بالمناقصة واستبعدت «يامن». فازت شركة «ورد» لصاحبها شريف وهبي القريب من «أمل»، قبل أن يؤيّد بري نفسه إلغاء المناقصة برمتها. حينها، تمنى كثيرون في النبطية لو يحيّدها بري ويكلف «ورد» بتشغيل المعمل كما كان سيكلف «يامن». يحكى عن قطبة مخفية تقف خلف تعليق الحل. للتذكير، هناك مبلغ سبعة ملايين دولار ونصف المليون متوافر في صندوق وزارة التنمية باسم النبطية، جاهز لصرفه فور تشغيل المعمل.
بشكل يومي، ينفذ الحراك الشبابي اعتصاماً أمام سراي النبطية. لا يفلت الثنائي الشيعي من الانتقادات. محمد فخر الدين، أحد كوادر «أمل» في بداياتها، وجّه نداءً لبري، قال فيه: «أهالي المدينة لم ولن يصدّقوا أنّ الحزبين اللذين قادا معركة التحرير غير قادرين على حل مشكلة النفايات. نحن مستاؤون وأنتم قادمون للاحتفال بذكرى تغييب الصدر، ربما سيكون ردّ فعلهم، مقاطعة الاحتفال. دولة الرئيس، لقد طلبت الأندية والجمعيات موعداً من مكتبكم ولم تحصل على الرد. أغلقت الأبواب، بخاصة بعد فشل المناقصات التي لا تعنينا بشيء. فلن ندفع ١٥٠ دولاراً للطن بدلاً من ٢٣ دولاراً. لن نسمح للشركات بأن تنهب أموال بلديتنا». ابنته حوراء فخر الدين، الناشطة في الاعتصام اليومي، رفعت صورة السيد حسن نصرالله، الاثنين الفائت، وذيّلتها بعبارة «إذا كنا من أشرف الناس، فلتخرج عن صمتك وليستقل نوابك احتراماً لنا».