أرخى فضّ عروض شركات النفايات يوم الاثنين الماضي، ومن ثم تراجع الحكومة عن المناقصة برمتها، في اليوم التالي، تداعيات عديدة في طرابلس، ودفع ذلك بلدية المدينة، خلال اجتماعها يوم الثلاثاء الفائت، إلى اتخاذ قرار بالإجماع رفضت فيه حلول وزارة البيئة أو مجلس الإنماء مكانها بما يخصّ معالجة قضية النفايات.


هذا القرار الذي حمل الرقم 399 جاء بعد نقاش مستفيض قبل الجلسة وبعدها، خلص على أثره أعضاء المجلس البلدي إلى إعلانهم، وفق القرار، «رفض إجراء المناقصة المتعلقة بتلزيم النفايات من قبل وزارة البيئة ومجلس الإنماء والإعمار»، معتبرين أن «ذلك يُعدّ مصادرة لصلاحية اتحاد بلديات الفيحاء، صاحب الحق في إعداد دفاتر الشروط وإجراء المناقصات المتعلقة بعملية جمع وفرز ومعالجة وطمر النفايات، وفق خطة مدروسة يضعها اتحاد بلديات الفيحاء بالتعاون مع البلديات الأعضاء والوزارات والمؤسسات المعنية».
قرار بلدية طرابلس جاء بعدما طرح عضو البلدية خالد صبح اقتراحاً بهذا المعنى، متسائلاً عن أسباب «تلزيم وزارة البيئة ومجلس الإنماء والإعمار إدارة النفايات المنزلية الصلبة لشركات، ولماذا لم يعرض دفتر الشروط الذي على أساسه تم التلزيم على بلدية طرابلس، وما مصير معمل الفرز الموجود في المدينة، ومصير مكب نفايات العاصمة الثانية، ومن يستفيد من عائدات النفايات المفرزة، ولماذا تم ربط عاصمة الشمال بعكار؟».
كل هذه التساؤلات دفعت صبح إلى التأكيد لـ»الأخبار» أن ما حصل غير مقبول، وخصوصاً أن الشركة التي رست عليها المناقصة في طرابلس والشمال وعكار («لافاجيت»)، هي شركة متعهدة متعاقدة مع اتحاد بلديات الفيحاء منذ سنوات، وتجربتنا مع الخدمات التي تقدّمها في هذا المجال ليست مشجعة لجهة الخدمات التي تقدمها».
صبح الذي شدّد على «ضرورة التعاطي مع طرابلس في هذه المسألة انطلاقاً من كونها عاصمة ثانية، وأن بلديتها ثاني أكبر بلدية في لبنان»، أبدى اعتراضه بشدّة على مرور شاحنات النفايات في شوارع المدينة وهي في طريقها من بيروت وجبل لبنان إلى عكار في حال اعتمدت بعض مناطقها رسمياً مكبّاً لهذه النفايات، فسأل: «هل تتحمّل طرقات المدينة مرور مئات الشاحنات يومياً عليها، وماذا عن الازدحام الذي ستشهده، ومن سيقوم بصيانة الطرقات إذا تعرضت لأضرار نتيجة ضغط المرور عليها؟».
ما يقوله صبح في هذا المجال يؤكده أيضاً الناشط البيئي عامر حداد، رئيس لجنة البيئة في اتحاد المهندسين العرب، إذ يوضح أن «النفايات في الدول المتقدمة يتم نقلها بواسطة قطارات وعربات تمنع تسرّب الروائح منها، إنما للأسف هذا غير متوافر في لبنان. وإذا اعتمدنا الأسلوب التقليدي والعشوائي في نقل النفايات، فإن الطريق من بيروت إلى عكار ستتحول إلى مصدر للأوبئة والأمراض للسكان المقيمين قربها».
يعترف حداد بأن «موضوع النفايات أصبح مشكلة معقدة جدّاً بات من الصعب حلها، وخصوصاً بعد التدخلات والتجاذبات السياسية، وتضارب المصالح»، معتبراً أن «الحلّ الأمثل لمعالجة هذه المشكلة هو أن تعالج كل بلدية أو اتحاد بلديات هذه المشكلة على نحو مستقل».
وبما يخصّ طرابلس، يرى حداد أن «فرز النفايات من المصدر يخفف نحو نصف كمية النفايات التي تذهب إلى المطامر والمكبات، كما أن تشغيل معمل فرز النفايات الموجود في طرابلس، والمجمّد منذ سنوات، من شأنه أن يساهم أيضاً في تخفيف عبء المشكلة، تمهيداً لمعالجتها لاحقاً».
ويبدي حداد ملاحظات عديدة على أداء مجلس الإنماء والإعمار وبقية الوزارات المعنية بالمشاريع التي تنفذ في طرابلس، فيوضح أن «من يخطط ويضع الدراسات من أجل تنفيذ مشاريع في طرابلس، لا ينزل إلى الأرض إلا نادراً، ولا يراعي مصالح وخصوصيات المدينة».
ويسأل حداد: «هل يعقل أن يتم وضع مكبّ النفايات والمسلخ ومحطة التكرير ومعمل فرز النفايات كلها على البحر، ما يكاد يقضي على الواجهة البحرية للمدينة، ويمنع أي استفادة ممكنة مستقبلاً. وأين هي اللامركزية الإدارية التي نصّ عليها اتفاق الطائف، وهل التشدد في تطبيق المركزية يؤدي المطلوب أم العكس؟».