بقلم زياد منى

يشكل التنقل الاجتماعي (Social Mobility) أحد أسس السوسيولوجيا وعلم الاجتماع في الدول الرأسمالية، ويعد في الوقت نفسه مبرر النظام الرأسمالي بصفته الأكثر عدالة ويؤمن للأفراد إمكانية التنقل بين الطبقات والفئات، انطلاقاً من مقدراتهم وجهدهم.
كثير من علماء الإجتماع في الدول الصناعية وضعوا هذا الادعاء تحت المجهر، إما لإثبات صحته أو لنفي ذلك، مستخدمين مختلف الطرق الإحصائية المعتمدة في عالم الأكاديميا، لكن ليس ثمة من مسوغ لعرضها هنا. ومع أن الكاتب، غريغوري كلارك، أستاذ الاقتصاد في جامعة كاليفورنيا، يستخدم الإحصاء والجداول في بعض أقسام كتابه، لكن هدفه، كما نرى، مساعدة الباحثين الذين يودون متابعة البحث في موضوعته الإشكالية وهو ما فعله بعض مراجعي الكتاب.

الكاتب لجأ إلى منهجية البحث في الوضع الاجتماعي لمجموعة من الأشخاص الذين يحملون اللقب نفسه، في مجموعة من الدول متباينة التاريخ والثقافة والتطور وما إلى ذلك، وهي الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا وتشيلي والصين واليابان وكوريا والهند، عبر سبعمئة سنة. وقد اختار الكاتب أسماء عائلات نادرة التكرار مثل (Smyth, Braziel, Scarett, Gritt, Suzuki) ليمنح بحثه مصداقية علمية أكبر مما لو كانت غير ذلك. وقد عهد بالبحث عن الأصول الاجتماعية لأولئك الأفراد إلى مجموعة من المساعدين الذين عملوا على مراجعة الوثائق الرسمية كافة ذات العلاقة، ومنها على سبيل المثال أسماء أعضاء المجالس التمثيلية أو البرلمانات وخريجي الجامعات الشهيرة وأصحاب المهن «العليا» مثل الطب وما إلى ذلك.
أما وقد ذكرنا المادة الرئيسة للمؤلف، وكي نلفت انتباه القارئ إلى مساحة البحث وأهميته لنا، فمن المفيد الآن التذكير بمحتوى فصول المؤلف الستة عشر، والذي قسمه صاحبه إلى ثلاثة أجزاء هي «التنقل الاجتماعي عبر الزمان والمكان»، و«اختبار قوانين التنقل»، وأخيراً «المجتمع الجيد». أما الفصول فهي: «السويد: التنقل أُنجز؟»، و«الولايات المتحدة: أرض الفرص»، و«بريطانيا القرون الوسطى: التنقل في المجتمع الاقطاعي»، و«بريطانية المعاصرة: جذور الحاضر العميقة»، و«قانون من قوانين التنقل الاجتماعي»، و«الطبيعة في مواجهة الرعاية»، و«الهند: نظام الطبقات وزواج الأقارب، والتنقل»، و«الصين وطايوان: التنقل ما بعد ماو تسي تونغ»، و«اليابان وكورية: الهيمنة الاجتماعية والتنقل»، و«تشيلي: التنقل الاجتماعي ضمن الأوليغاركية»، و«قانون التنقل الاجتماعي ودينامية العائلة»، و«البروتستانت واليهود والغجر والمسلمين والأقباط: الاستثناء؟»، و«شواذ التنقل»، و«هل التنقل ضعيف؟ التنقل في مواجهة عدم التساوي»، و«الإفلات من التنقل الاجتماعي إلى الانحطاط».


لجوء إلى منهجية البحث في الوضع الاجتماعي لأشخاص يحملون اللقب نفسه
المؤلف ثري بمجموعة من الخرائط والجداول والإحصاءات والمعادلات الرياضية، التي تهم الباحثين، لكنها لا تتعارض مع حقيقة أنه موجه، على نحو عام، إلى عامة القراء المهتمين بالمادة. لقد أثار المؤلف ردود فعل كثيرة لدى أهل الاختصاص، بين متحفظة، لأسباب سنذكرها لاحقاً، وأخرى مهللة له ولمنهجية البحث الجديدة [القديمة!]. فقد بينت دراسة فرنسية La societe francaise au XIXe siecle: Tradition, transition, transformations، وأخرى ألمانية Bevölkerung Und Soziale Mobilität in Sachsen 1550-1880 أن التنقل الاجتماعي على سلم الطبقات والفئات كان في القرون القليلة الماضية شبه معدوم في مناطق بحثهما. لا شك في أن هذه النظرية أو الموضوعة تثير أيضاً عدم الارتياح لدى كثيرين وتذكر القارئ بمقولات ونظريات عنصرية لا تستهدف البشر القراء فقط وإنما أيضاً شعوباً وقوميات. فالغرب عرف في العقود الماضية، غير البعيدة «علوم» ودعوات عنصرية منها اليوجينية أو «علم تحسين النسل» والحتمية العنصرية والقَدَر الجلي وعلم الاجتماع البيلوجي. هي موضوعات ونظريات لاعلمية تحاول شرح ربط التباينات الاجتماعية بالبيولوجيا ودعوات ما يسمى «السوسيولوجيا البيولوجية». الكاتب مدرك لهذه المخاطر لذا نراه يمنح المسألة مكاناً متسعاً لنفي صحة الربط بين الوضع الاجتماعي لإنسان وانتمائه «العنصري».
من المفيد التذكير في هذا المقام أنّ ثمة دراسات أثبتت أن تحسين التخطيط بما في ذلك عوامل المواصلات العامة والوظائف والتعليم الجيد تساهم في تحسين أوضاع البشر وتساعدهم في الصعود في السلم الاجتماعي. آخذين المحاذير آنفة الذكر، يبقى الكتاب مهماً ونوصي بقراءته، لكن على نحو تحليلي نقدي، وربما يأتي بحاثة يوضحون ثغرات في منهجية البحث، بما يوصلنا إلى نتائج مختلفة.