قد يبدو الحديث من على هذا المنبر في مؤلف يتناول بالبحث التحليلي المعمق خذلان الصحافة العالمية لذوي العوز في مختلف دول العالم مثيراً للسخرية، حيث إن القسم الأكبر من وسائل الإعلام العربية والناطقة بالعربية أنشئت لأهداف سياسية غير سوية، أي لتضليل العامة. ونود هنا التنويه إلى الكتاب الألماني «صحافيون للإيجار» الذي سبق لنا عرضه في هذا المنبر.

مع ذلك، يبقى «لوم الضحية - الصحافة العالمية تخذل الفقراء» مهماً لأن مؤلفه، الإنكليزي، خابرو لوغو-أُكندو، الأستاذ المحاضر في جامعة «شفيلد» البريطانية، ينتمي إلى البيت الحاكم، بالمعنى العقدي للمصطلح، ما دفع رئيس الوزراء البريطاني السابق غوردُن براون للتنويه إليه وإلى أهميته العلمية.

كما حظيت منهجية الكاتب بإشارة إضافية من العالم الجغرافي دني درلنغ، أستاذ الجغرافيا في جامعة «أوكسفورد» تقول: الكاتب يكشف على نحو واضح ودقيق الكيفية التي أسست الصحافة العالمية منصباً لأكثر الناس ثراءً، هذا في الوقت الذي تم فيه نبذ عدم المساواة المتنامي وتزايد الفقر والادعاء بأنها فنتازيا طوباوية.
خايرو لوغو-أكندو يوضح على نحو جلي، من خلال أمثلة حية، نترك للقارئ معرفتها في الكتاب، الكيفية التي تتم فيها صياغة الأخبار ذات العلاقة ومفرداتها ولغاتها، في غرف الأخبار التي تستثني ذكر المظلومين، بل وحتى تحملهم المسؤولية؛ الفقر تقع مسؤوليته على الفقير، والمريض مسؤول أنه مريض، وهكذا.


يفضح ميل الصحافيين إلى إخفاء أسباب الفقر البنيوية

لكننا نذكر الآن مثالاً واحداً جديراً بالملاحظة والتنويه إليه هو اهتمام الصحافة، بمختلف قطاعاتها، بمسألة انعدام العدالة والمساواة، فقط عندما تطرح مسألة تخفيض الضرائب... على الأثرياء بكل تأكيد. فالمؤلَّف يدين تجنب الميديا الحديث في عدم عدالة قوانين الضرائب المرتفعة على ذوي الدخل المحدود، وهو أحد مصادر الفقر في مجتمع ما.
يطرح المؤلف أسئلة «محرجة» كثيرة: من وكيف ومتى! تصبح أخبار الفقر صالحة للتداول في وسائل الإعلام/التضليل؟ الكاتب يفضح أيضاً ميل كثير من الصحافيين والمحررين، في مختلف بلاد العالم، إلى إخفاء أسباب الفقر البنيوية عبر محاربة عدم المساواة؛ الايديولوجيا تجتاح الحقيقة في هذا المقام. في الواقع، إنّ صحافيين كتبوا عن المادة قبل صدور الكتاب بأيام، ومنهم الإنكليزي جورج مَنْبيُت، الذي كتب في صحيفة «غارديان» البريطانية مقالاً ذا عنوان دال هو «إعلاميونا الحياديون استحالوا ناطقين باسم النخب المالية [اليمينية]»، والتي استبدلوها بالخبراء الاقتصاديين المستقلين. هذا المؤلَّف مهم لأن أخبار العالم عادة ما تأتينا من وكالات غربية تتفنن في التضليل، وعلينا الحذر حتى لا نعاني فقط أكاذيب «الإعلام» المحلي.