الفظائع التي ترتكب هذه الأيام في بلادنا، وفي سوريا والعراق واليمن وليبيا تحديداً، تجعل من الحديث عن الإتجار بالبشر في العالم هامشاً في الاهتمامات ليس أكثر. لكن هذه الجرائم يجب أن تجدد الإصرار على محاربة أنواع اضطهاد البشر كافة، وفضح حقائقه وأسراره.

التجارة بالبشر ليست محصورة في اختطاف الأفراد، والنساء على نحو خاص، وإجبارهن على العمل في الدعارة أو عمالة الجنس (Sex Workers) كما صارت تسمى، بل تتجاوز ذلك وصولاً إلى التدقيق في القوانين التي صاغتها بعض الدول لمحاربة ذلك، وتبيان مواضع الضعف فيها والثغرات التي تسهل تفاديها قانونياً وتصعب الملاحقة. هذا تحديداً جوهر عمل الكاتبتين ستفني هبرن، خريجة «جامعة ميتشغن» في الولايات المتحدة وفي «كلية واشنطن للقانون» في «الجامعة الأميركية» هناك، الصحافية المستقلة صاحبة المؤلفات العديدة عن المادة، وزميلتها ريتا سيمنز.

المفهوم التقليدي للتجارة بالبشر، هو الاستغلال الجنسي، لكن المعنى هو أبعد من ذلك وأسوأ منه، إذ إنها تعني أيضاً إجبار بشر على العمل في السخرة والتجارة بالأعضاء البشرية والسياحة الجنسية.
عندما يذكر المرء السياحة الجنسية والعمل بالسخرة، يظن أن المسألة تتعلق بالدول النامية أو بالعالم الثالث، لكن المؤلف يبحث في الأمور كافة ذات العلاقة في 24 دولة، تغطي القارات الخمس، ومن ضمنها الولايات المتحدة الأميركية واليابان وكندا وألمانيا وروسيا وإيران والإمارات العربية المتحدة وسوريا والعراق وجنوب أفريقيا والهند والصين والنيجر والمكسيك والبرازيل، وغيرها.
الكاتبتان ستفني هبرن وريتا سيمن، تشددان على أهمية مسألة مناقشة القوانين التي وضعتها الدول لمحاربة الإتجار بالبشر والقضاء عليه، وتظهران نقاط الضعف في تلك القوانين. فعلى سبيل المثال، أصدرت المحاكم الألمانية على أكثر من 80% من المدانين بتهم الإتجار بالبشر أحكاماً بالغرامات فقط، وقلة قليلة حكم عليها بالسجن.
كما يلاحظ أن الأشخاص المدانين بعمليات الإتجار بالبشر في بولندا والنيجر واليابان وأستراليا حكم عليهم بأحكام مع وقف التنفيذ.


يؤدي نظام الكفيل الذي تمارسه دول الخليج إلى تحويل الناس عبيداً

والكاتبتان تلاحظان نقص الخبرة لدى القائمين على مكافحة الإتجار بالبشر في ألمانيا، بما في ذلك الأجهزة المختصة والشرطة وحتى القضاة. تلاحظ الكاتبتان أن حالات الإتجار بالبشر تتجلى على نحو خاص عندما يحصل العمّال على أذون عمل موقتة، كما في الولايات المتحدة الأميركية وفي الإمارات العربية المتحدة.
إضافة إلى ذلك، فإن نظام الكفيل الذي تمارسه دول الخليج يؤدي إلى إتجار بشر بالبشر ويحولهم إلى عبيد. أما في الهند، على سبيل المثال، فيلاحظ أن الإتجار بالبشر هناك مرتبط على نحو وثيق بنظام الطبقات المنبوذة (The Untouchables) حيث يولد المرء في العبودية ومكتوب عليه وعليها الموت فيه. في النيجر، حكمت محكمة بصحة قانونية زواج رجل من «عبدة» له فقط إن كان غير قادر على اقتناء زوجة حرة! أميركا اللاتينية تشهد حالات خاصة لكن ليست فريدة حيث يتم إغواء الفتيات حتى دون سنة الرابعة عشرة، ثم اغتصابهن، ومن بعد إجبارهن على العمل في السخرة تحت التهديد بانتزاع أطفالهن منهن.
عبر صفحات الكتاب، يلاحظ القارئ مختلف أنماط الإتجار بالبشر، وأن الأمر لا يتعلق بشكل واحد فقط، وأنه أعمق من أن يكون متصلاً بحركة الأشخاص المتاجر بهم، وهذه المسألة تشكل جوهر انتقاد القوانين البريطانية الخاصة بالإتجار بالبشر.
القوانين المعمول بها في بعض الدول تطلق على الإتجار بالبشر تسميات مختلفة، لذا من المفيد العودة إلى عام 1865 وقراءة مقتطف من خطاب المصلح الأفريقي-أميركي ورجل الدولة فردرك دغلاس أمام الجمعية الأميركية لمناهضة الرق: «سوف لن يطلقوا عليها العبودية. سيجدون مسمى آخر لها. إن العبودية ولاَّدة في منح نفسها الأسماء والصفات. فقد أطلق عليها «مؤسسة مميزة»، و«النظام الاجتماعي»، و«الإعاقة»، وفق الجمعية العمومية للكنيسة الميثودية الإبسكوبالية. لقد أطلقت عليها أسماء جمة، وهي ستطلق على نفسها أسماء أخرى، وعلينا، أنتم ونحن، الانتظار حتى نعرف الاسم الجديد لهذا الوحش وما هو الجلد الجديد الذي سيلبسه هذا الثعبان العتيق».