في الوقت الذي تتكاثر فيه انفجار الأزمات في بلاد العرب والأعراب، ويقف المرء حائراً ضائعاً متعجباً مفجوعاً إزاء ما يراه ويعانيه ويعايشه، تتصدر مقولات عامة، أساسها العلمي الأكاديمي مجهول حتى لدى الناطقين بها، الأحاديث السياسية هنا وهناك. وفي مقدمة تلك المقولات مصطلح «الأغلبية والأقلية» أو لنقل: الأقليات «في مواجهة الأغلبية». لكن الحديث في هذه الأقليات، والأغلبية، ليس من منطلق علمي وإنما استناداً إلى فكر تبسيطي يليق بأحاديث المقاهي وما يعرف اختصاراً بالعامية المبسَّطة والمبسِّطة بـ «التحشيش الفكري». المتحدثون في الأقليات، ونستخدم هذا المصطلح ــ الذي نرفضه ضمن سياق هذا العرض ـــ بتحفظ لعدم وجود بديل متفق عليه.


الحديث في مكونات مجتمع ما، يجب أن يستند إلى مقولات علمية قائمة على أسس متينة وحتى صلبة، صلابة الفولاذ. ومن هنا تأتي أهمية هذا العمل، مع التشديد على ضرورة الحذر دوماً، كما وجب في كل الأعمال النظرية المتخصصة في شؤون
المجتمع.
الأغلبية التي يقصدها المشاركون بحماس منقطع النظير هي أغلبية عددية، لكن عند الحديث في مكونات مجتمع ما، خصوصاً عندما يدعي المساهمون الانطلاق من مبادئ قومية جامعة، فإن المكونات تكون طبقية في المقام الأول، ولا مكان فيه للحديث عن أغلبية وأقلية عددية.
هذا المؤلف يلفت الانتباه إلى مسألة غاية في الأهمية بالعلاقة مع مادته وهي كيفية نشوء مصطلح أقلية في سوريا إبان الاحتلال الفرنسي، وعلى يد من، وفي أي مرحلة من مراحل التطور الاجتماعي والتشكل في دولة.


المكونات تكون طبقية، ولا مكان للحديث عن أغلبية وأقلية عددية

المشكلة الأولى المرتبطة بالبحث في هذه الأمور أن الدولة السورية، بالمعنى الواسع للكلمة، أي ما يضم حالياً أراضي الجمهورية العربية السورية والجمهورية اللبنانية، لم تتشكل تاريخياً والدولة لم تكن ولادة طبيعية لحركة قومية، كما في دول أوروبا الغربية على سبيل المثال، وإنما أقرب إلى تشكل الدولة/الأم في البلقان. وهذا تحديداً ما يركز عليه الكاتب بنجامين وايت، أستاذ تاريخ الشرق الأوسط الحديث في «جامعة غلاسغو» البريطانية.
إضافة إلى مقدمة واستنتاجات، يضمّ المؤلف ستة فصول على النحو الآتي: «الأقليات والأغلبيات والدولة/ الأمة (Nation-State)»، و««الأقليات» والانتداب الفرنسي»، و«نزعات الانفصال والحكم الذاتي»، و«حدود الكُرد»، و«المعاهدة الفرنسية-السورية وتعريف «الأقليات»»، و«إصلاح قانون الأحوال الشخصية».
يشدد الكاتب على أن مؤلفه لا يتعامل مع «الأقليات» وكيفية استخدام فرنسا هذه التباينات، وإنما الكيفية والفترة التي صارت فيها كل مجموعة تعرف نفسها وغيرها بأنها أقلية. وهذا يقود، بحسب الكاتب، إلى التعامل مع كيفية ظهور مصطلح «أغلبية» في سوريا في ثلاثينيات القرن الماضي وأبعاد ذلك الفكرية أو العَقِدية.
من الأمور الجديرة بالذكر هنا تركيز الكاتب على مسألة «الأغلبية» وما يعنيه عند هذه أو تلك المجموعة.
على سبيل المثال، إن الحديث عن الأمة السورية أو الأمة العربية أو الأمة الإسلامية يختلف باختلاف المتحدث والمتلقي والزمن الذي قيل فيه وكذلك المكان (جامع، كنيسة، اجتماع حزبي... إلخ).
ملاحظة المؤلف أن «الأقليات» مصطلح ذاتي عند تشكل الدولة الوطنية (Nation-State) من دون نفي الكاتب سعي الاستعمار الفرنسي لاستغلال ذلك لتوطيد احتلاله وإشاعة الانقسام، مع تشديد إدارة الاحتلال على أن مشاريعها لتقسيم البلاد وفق الطوائف قائم على نظام الملل والذمية الذي كان سائداً في العهد العثماني.
منظور الكاتب إلى مسألة «الأقليات» كما ترد في هذا المؤلف، يشكل تحدياً علمياً للآراء السائدة حول العلاقة، ومن الواجب دراسة المادة على نحو علمي معمق بعيداً من الخطاب العقدي، دينياً كان أو قومياً أو قومجياً أو عصبياً.
عندما سأل الكاتب عن كيفية تلخيصه المؤلف في أربعة مفردات أجاب بالقول: شروط موضوعية، تصنيفات ذاتية؛ ويمكن توسيع ذلك بالقول: شكل الدولة/الأمة/ الدولة الوطنية (Nation-State) يخلق الظروف الموضوعية التي يبدأ الناس فيها بعدّ أنفسهم أقليات وأغلبيات؛ لكن، مع ذلك، تبقى هذه تصنيفات ذاتية.