في تظاهرة 14 آذار 2005، كان الزعماء السياسيون هم الداعين الأساسيين، وكانت أحزاب التقدمي الاشتراكي والمستقبل والتيار الوطني الحر والقوات هي الرافد الأساسي لساحة الشهداء بالمتظاهرين. أما اليوم، فالمجموعات الشبابية وبعض الجمعيات هي الداعية الأساسية إلى التظاهر، والمبادرة الفردية هي الرافد الأساسي لساحة الشهداء بالمتظاهرين. قبل عشر سنوات، كان الجمهور يتظاهر من أجل السياسيين، هاتفاً بروحه ودمه فداءً لهم. أما اليوم، فيتظاهرون ضد السياسيين، مخاطرين بدمائهم وأرواحهم.


يومها كان النائب وليد جنبلاط نجم الحراك، فيما بيار الحشاش ومروان معلوف ومعين شريف وميشال ألفتريادس وفرقة «الراحل الكبير» وهشام حداد و الـ»تِربَتّي» و»سنفور» و»النغل» و»المظلوم» وسائر شباب الخندق الغميق ومئات الآخرين هم نجوم حراك اليوم. في تظاهرة 14 آذار كانت جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري وتراكم ثلاثة عقود من الإدارة السورية للشؤون اللبنانية هي المحفز الأساسي للتظاهر، فيما قضايا مطلبية حياتية هي المحفز اليوم. يومها كانت الميليشيات المقنعة تحيط بالتظاهرة، فيما يحيط النقابيون وأصحاب المهن الحرة وكل من شردتهم الميليشيات بتظاهرة اليوم.


حزب الله والتيار
الوطني أمام فرصة ملاقاة النقمة الشعبية
يومها كان جيفري فيلتمان العقل المدبر، فيما المحامي نزار صاغية والوزيران شربل نحاس وجورج قرم واتحاد المقعدين ومجموعة «نحو الجمهورية» وجمعيات بيئية وشباب اتحاد الشباب الديموقراطي وحركة الشعب وكل المجموعات الافتراضية هم منظرو الانتفاضة الحالية. يومها كان المجتمع الدولي برمته مستنفراً لدعم «الانتفاضة اللبنانية» وإيصالها إلى بره الآمن، فيما لا شيء يوحي اليوم أن في هذا «المجتمع» من يبالي بلبنان. يومها أعدت ترتيبات هائلة للنقل والمواصلات وكل مستلزمات الحشد الشعبي، وصرفت ميزانية مالية ضخمة. أما اليوم، فإنّ من ينوي التظاهر عليه ملء سيارته بنفسه بالوقود وقيادتها بحذر لتربص عناصر الأمن بالمخالفين لقانون السير. يومها لعبت الكاميرات الهوليوودية لعبتها وشيدت مسارح وهبطت أجهزة صوت وإضاءة لم يسبق للجمهور أن رآى مثلها، فيما الاتكال على كاميرات الهواتف الخلوية اليوم. يومها كانت التعبئة الإعلامية المذهبية ـ السياسية في أوج عطائها، فيما تقوم التعبئة اليوم على أساس تجاوز الحسابات المذهبية ووضع الخلافات السياسية التقليدية جانباً.
هذا كله لا يهدف إلى القول إن تظاهرة اليوم لن تكون بحجم تظاهرة 14 آذار أو تبرير الفارق في حجم التظاهرتين، بل الهدف إعادة توضيح بعض الحقائق التي يجتهد تيار المستقبل وحركة أمل والحزب التقدمي، خصوصاً في تشويهها أو إرباك الرأي العام بشأنها. ففي كل التظاهرات الشعبية في العالم، يكون هناك مطلب رئيسي وآلاف المطالب الفرعية كما هي الحال في تظاهرة اليوم. هي تظاهرة شعبية وليست تظاهرة حزبية أو نقابية ليكون هناك هتاف موحد. وفي كل التظاهرات الشعبية في العالم يحصل شغب، يفترض بالأجهزة الأمنية أن تتصرف معه بمسؤولية. وفي كل تظاهرات العالم يكون المتظاهرون شباباً مغمورين لا بكوات أحفاد بكوات ومشايخ ورؤساء جمهورية. أما لماذا تسمية الأحزاب الثلاثة السابق تعدادها بالاسم، فيعود لكونها المتضررة الرئيسية من الهتاف ضد الفاسدين؛ فالمتظاهرون اليوم يحرصون على القول إنهم ضد كل السياسيين على نحو يغضب العونيين وجمهور حزب الله طبعاً، إلا أن تحقيق مطالب المتظاهرين بالتحقيق في ملفات الفساد ــ أينما كان ــ لن يوصل إلى المحاكم إلا هؤلاء الثلاثة فقط. أما المطالبة بإسقاط النظام، فلا تتخذ هذه المرة طابع العلمانيّ ضد المذهبيّ، بل تستهدف النظام كهيكلية فساد لا يزال حزب الله خارجها، فيما عجز التيار الوطني الحر عن تثبيت نفسه فيها. أما مطالبة المتظاهرين بقانون انتخابات عادل وإجراء انتخابات نيابية، فتمثل ضربة موجعة لثلاثي التمديد (بري ــ الحريري ــ جنبلاط)، علماً بأن الحريري وجنبلاط يعارضان أي قانون انتخابات غير القانون الحالي. كذلك إن تقدم الملفات المطلبية ــ الإصلاحية ــ الإنمائية كل الملفات الأخرى يعرّي تيار المستقبل والقوات اللبنانية ويفقدهما حضورهما بالكامل. فقد شغل هذان الحزبان جمهورهما بسلاح حزب الله عن كل شيء آخر، وها هما يفقدان صوابهما من سؤال جمهورهما عن حقوقه المنسية. وخلافاً للتيار الوطني الحر، لا يسع المستقبليون القول إنهم جربوا ولم يفلحوا أو أن قوى خارجية ألزمتهم بتحويل مناطق نفوذهم إلى مكبات نفايات. ولا شك أن كسر حاجز الخوف اليوم سيدفع المناطق الأكثر حرماناً صوب العصيان المدني، ويصدف أن الجزء الكبير من قاطني مناطق نفوذ المستقبل هم محرومون، فيما النقمة من انقطاع الكهرباء وشح المياه وتراكم النفايات في مناطق نفوذ حزب الله يتوزع عليه وعلى حركة أمل وعلى تيار المستقبل وشركاه، مع أخذ الجمهور هناك بعين الاعتبار أن الحزب حديث عهد بالسلطة، وأن الناخبين أيّدوه «وفاء للمقاومة» لا شيء آخر. هذا كله دون الأخذ بالاعتبار أن المتظاهرين يطالبون باستقالة وزيرين؛ أحدهما حريريّ والآخر يدور في الفلك المستقبلي، وهم ينزعون ببقائهم في الشارع من يد جنبلاط ورقة الحل لأزمة النفايات. مع العلم أن حزب الله والتيار الوطني الحر كانا ولا يزالان أمام فرصة جدية وكبيرة لمعالجة المحاذير السياسية والأمنية وملاقاة النقمة الشعبية على الطبقة السياسية في منتصف الطريق.
التظاهر لإسقاط النظام الطائفي كان بلا أفق، أما أفق هيئة التنسيق النقابية فكان ضيقاً جداً، فيما ينتظر أن تحدد تظاهرة اليوم أفق الحراك الحالي. لا يمكن هنا التعويل على تظاهرة أسبوعية لإسقاط الحكومة في بلد بقي الرئيس فؤاد السنيورة في سراياه أكثر من عام كامل رغم محاصرته بالمتظاهرين، ويومها كانت القوى السياسية منقسمة فيما هي لا تزال اليوم متحدة. كذلك لا يمكن الرهان على انقلاب كامل يدخل فيه المقهورون إلى السرايا ومجلس النواب وكل المؤسسات الرسمية لفتح صفحة جديدة فيها جميعها. ويستحيل بالتالي، حتى بالنسبة إلى المنظمين الجديين لتظاهرة اليوم، تحديد ما ستكون عليه الأمور غداً صباحاً. لأول مرة يمكن القول إن الجمهور سيحدد ذلك: التظاهرة بشكلها وحجمها وشعاراتها وأهدافها ونتائجها ملك المتظاهرين؛ لا أحد آخر.