لم يعد المتضررون من فساد النظام بحاجة إلى دعوة من أيّ كان للتحرك، فالحملات التي انطلقت من «طلعت ريحتكم» الى «بدنا نحاسب»، وغيرهما من الحملات التي ولدت من رحم هذه التحركات الاحتجاجية، تحاول اليوم أن تلحق الناس، وتسعى جاهدةً لكي تنظم تحركات وتبلور خطاباً سياسياً يرضي جميع الفئات التي لا تريد من الطبقة الحاكمة الآن سوى الرحيل.


وردّ الفعل الرسمي إزاء الحراك الشعبي ينذر بوجود خوف من السلطة من أن تكبّر الحالة الشعبية، فحاولت تنفيس الشارع من خلال قرارات عدة أخذت داخل الحكومة، أبرزها إلغاء نتائج المناقصات في ملف النفايات وإزالة جدار العار من أمام السراي، والذي أمر المشنوق بوضعه، وسعت الى تخويف الناس وقمعهم لحثّهم على عدم المشاركة، إلا أن كل ذلك لم يرهب الناس.
ستنطلق اليوم مسيرة من أمام وزارة الداخلية عند الساعة الخامسة، تجوب شوارع بيروت، وصولاً الى ساحة الشهداء عند الساعة السادسة مساءً. وتزامناً مع هذه المسيرة، تنظم اعتصامات تضامنية أمام السفارات اللبنانية في العديد من العواصم الأوروبية والاميركية. ويلاحظ نشاط غير مسبوق واستجابة سريعة من العديد من الجاليات الاغترابية للتماهي مع الحراك داخل لبنان.
رغم حالته الصحية السيّئة جداً، وعدم قدرته على الرؤية أو الوقوف، نتيجة الضرب الذي تعرض له خلال ممارسة حقه في التظاهر، أصرّ الجريح علي جبق على الخروج من مستشفى الجامعة الأميركية في بيروت، ليحضر الى ساحة رياض الصلح لدعوة اللبنانيين إلى النزول اليوم الى الشارع.
«ما حدا يخاف، بدن يضربونا ويكسرونا حتى ما حدا ينزل»، يقول جبق الذي تحرك للمطالبة «بحقنا وحق ولادنا» في العيش. جبق أوصل رسالته خلال المؤتمر الصحافي الذي دعت إليه حملة «بدنا نحاسب» في ساحة رياض الصلح، لكي توضح مطالبها والأهداف التي تعمل عليها.
طالبت الحملة بإلغاء خصخصة قطاع النفايات وإعادته الى البلديات، وتحرير أموال البلديات من الصندوق البلدي المستقل، إضافة إلى معاقبة مطلقي النار على المتظاهرين وإسقاط كافة الملاحقات القانونية بحق المحتجين، داعية إلى قانون عصري للانتخابات النيابية، مؤكدة تقدمها بدعاوى قانونية لمحاسبة كل من اعتدى على المتظاهرين، ومطالبة بإعلان أسماء الموقوفين البالغ عددهم 11 شخصاً. وقد نفّذت الحملة أمس مسيرة حاشدة انطلقت من ساحة رياض الصلح حتى وزارة الداخلية، مطالبة المشنوق بالاستقالة. وقد اعترف المشنوق، في مؤتمر صحافي عقده أمس، بأن جهات ثلاث هي من أطلقت النار على المتظاهرين: حرس مجلس النواب، سرية الجيش المكلفة بحماية مجلس النواب، وقوى الامن الداخلي. لكن قيادة شرطة مجلس النواب أصدرت بياناً ردّت فيه على المشنوق، مشيرة إلى أن شرطة المجلس «لم تطلق النار بتاتاً، بل كانت داخل حرم المجلس وفي حدود عملها ونطاقها». ومن المعلوم أن القوى الامنية المعنية بحراسة مجلس النواب فئتان: الاولى تنحصر مهماتها داخله وتسمى «شرطة المجلس النيابي» ولا وصاية عليها من وزارة الداخلية بذريعة الفصل بين السلطات، أما وحده قوى الامن الداخلي التي تتولى حراسة المبنى من الخارج فهي تابعة لوزارة الداخلية والبلديات وتعمل بإمرتها (أقله في الصلاحيات الواردة في النصوص).
حملة «طلعت ريحتكم» كان لها موقف أعلنته مساء أمس، بعد اجتماع عقدته مع منظمات وجهات عديدة، منها اتحاد الشباب الديمقراطي اللبناني وجمعية المفكرة القانونية وناشطون وناشطات مستقلون، لتتلو «وثيقة المبادئ» المنبثقة عن الحراك، والتي كانت مشابهة الى حدّ التطابق مع مطالب «بدنا نحاسب». البيان الذي ألقاه الناشط أسعد ذبيان طالب، كما فعلت الحملة الأخرى، بإعطاء البلديات صلاحياتها في ما خصّ موضوع النفايات، وتحرير أموالها من الصندوق البلدي المستقل. كذلك طالبت الحملة باستقالة وزير البيئة محمد المشنوق بسبب فشله في إدارة ملف النفايات، ومحاسبة كل من أطلق النار من القوى الامنية، ومن أعطى الأوامر، «من أصغر عنصر حتى وزير الداخلية نهاد المشنوق»، ولفت ذبيان الى مطلب أساسي للحملة الرئيسي، هو «إجراء انتخابات نيابية مبكرة».
وفي ما خصّ ما صرّح به رئيس تكتل التغيير والاصلاح النائب ميشال عون، من مطالبة المتظاهرين ومنظمي الحراك بعدم سرقة الشعارات المطلبية، وكأنها ملك حصري للتيار الوطني الحر، ردّ المحتجون في الشارع عليه بأن هذه الشعارات «ملك الناس وكل اللبنانيين»، ولا يمكن لمن هو في السلطة أن يقول»أعيدوا لنا شعاراتنا»، وخاصة أنه لم يحقق منها شيئاً، ومن سعى لتحقيق جزء منها، مثل شربل نحاس، طرد من الحكومة.
بعيداً عن النقابات التي استطاعت الاحزاب أن تستولي على قرارها، كان هناك دعوة من قبل نقابيين مستقلين للمشاركة في تحرك اليوم، أبرزها من رئيس التيار النقابي المستقل حنا غريب الذي طالب بـ»دولة جديدة»، لأن هذه الدولة «فشلت»، مطمئناً كل اللبنانيين إلى أن «كل الهيئات تريد تحقيق المطالب الاجتماعية وأبسط الحقوق التي تقول عنا إننا إنسان»، ولفت الى أن عملية التغيير ستأتي من كل الحركات لبناء نوع من موازين القوى حتى نقيم دولة مدنية ونبني وحدة وطنية.
النوادي والمجموعات الطلابية تستعد على طريقتها للمشاركة في حراك اليوم، فطلبت من كافة الطلاب الذين يودون المشاركة في التظاهرة التجمع عند الساعة الخامسة في الجميزة، للانضمام الى التظاهرة المركزية، في محاولة لاستعادة دور الحركة الطلابية في لبنان.
لـ»اتحاد المقعدين اللبنانيين» موقف لافت أيضاً، حيث دعا جميع أعضائه ومتطوعيه وأصدقائه من جميع المناطق اللبنانية، وكذلك الجمعيات المطلبية والحقوقية وجمعيات الأشخاص المعوقين في لبنان، إلى المشاركة في التحرك، تحت شعار «حقوقنا مهدورة: مانعني أحرك! مانعني شوف! مانعني اسمع! مانعني عبّر!»، معلنين «الشعب مصدر السلطات، ورافضين العنف والترهيب وقمع الساحات المطلبية.
حملات ومجموعات عديدة دعت إلى المشاركة، مثل «حلو عنا» ورابطة موظفي الادارة العامة وشباب ضد النظام وطفح الكيل والشعب يريد وتجمع الأطباء في لبنان وعدد من الجمعيات الاهلية والحزب الشيوعي اللبناني واتحاد الشباب الديمقراطي وشباب ضد النظام وغيرها.




مبادئ الدفاع عن المجتمع

ألقت المحامية غيده فرنجية، من «المفكرة القانونية»، كلمة أمس، أعلنت من خلالها «مبادئ الدفاع عن المجتمع». فرأت أن حراك اليوم يصبو «الى دولة مدنية ديموقراطية عادلة تكفل الحقوق المدنية والاقتصادية الاساسية، وما ترتّبه من خدمات لمواطنيها وبناء مؤسساتها بمنأى عن اعتبارات المحاصصة. ونحدد أولوياتنا بإيجاد حلول بيئية سليمة لموضوع معالجة النفايات، ضمان الكهرباء في كل المناطق 24 ساعة ، بتّ ملفات الرواتب والاجور بطريقة تضمن حياة كريمة للمواطنين، ضمان استقلال القضاء وحق المواطنين بالمحاكمة العادلة وضمان الحريات العامة، وفي طليعتها التظاهر والتجمع السلمي والتغطية الصحية الشاملة وإنصاف كل الفئات الاجتماعية المغبونة، وفي طليعتها المعوقون وذوو المفقودين. كذلك نصبو إلى استنهاض شباب لبنان وشاباته والهيئات المدنية والنقابية والنسائية والبلديات وجميع المواطنين في المناطق كلها لملاقاتنا دفاعاً عن المجتمع إزاء المخاطر الكبرى».
وأضافت فرنجية أن التحركات التي يجري تنظيمها هي «سلمية وتراكمية وهادفة»، مؤكدةً للبنانيين استقلالية الحراك «إزاء كل القوى السياسية الحاكمة، بممثليها في 8 و14 آذار، وباصطفافاتها الطائفية والمذهبية، وأن حل أزمة النفايات يبدأ بوقف الاعتداء على صلاحيات البلديات ومواردها في الصندوق البلدي المستقل وبتطبيق القانون».