يجزم أحد مسؤولي 14 آذار أن هذا اليوم، السبت 29 آب، سيكون انطلاق عملية مركبة معقدة، تقود إلى أمر واحد لا شيء سواه: انتخاب رئيس جديد للجمهورية.

يسارع المسؤول نفسه إلى التأكيد أن المسألة ليست نظرية مؤامرة، ولا أن شباب الساحة مرتبطون أو محركون من قبل سفارات أو دمى لأجندات خارجية. بل لأن تركيبة كبيرة بدأت تعد منذ اسابيع، وراحت تتبلور تباعاً، حتى صارت معالمها شبه منجزة.

بدأت تلك العملية بحسب المسؤول الآذاري، قبل أسابيع قليلة. بعدما تأكد حصول السفير الأميركي في لبنان دايفيد هايل، على موافقة لجنة الكونغرس المختصة، لتعيينه سفيراً لبلاده في باكستان. وبات مؤكداً أن هايل سيغادر عوكر وبيروت في أيلول المقبل، ليمر بواشنطن قبل أن يلتحق بمقره الجديد في إسلام أباد.
في هذا الوقت، كانت واشنطن تفوّض إلى موسكو البحث عن تسوية في دمشق. وهو ما قيل إنه انطلق أو حتى تقدم. هكذا باتت تكتمل روزنامة الأحداث الأميركية: إقرار الاتفاق النووي مرتقب بين منتصف أيلول ومنتصف تشرين الأول. بدايات التسوية السورية قد تكون متزامنة، مع موعد لزيارة خارجية هي الأولى منذ زمن بعيد، للرئيس السوري بشار الأسد خارج سوريا. ناظر السياسة الأميركية في بيروت، الأكثر اطلاعاً على الملف اللبناني واضطلاعاً بمهماته، يغادر تاركاً شيئاً من فراغ... لذلك صدر أمر العمليات بتعيين رئيس للبنان في الأسابيع المقبلة، وربما الفاصلة بين الراهن وبين تلك الأحداث المرتقبة.
فيما غرف عصف الأفكار منكبّة على تجسيد أمر العمليات هذا، جاءت صدفة خير من ألف ميعاد، اسمها حراك المجتمع المدني ضد الحكومة في مسألة أزمة النفايات. فقفز الجميع لاستثمارها. لم يكن الشباب المحتجون في أي لحظة معنيين بتصورات الخارج أو مخططاته. لكن توقيت تحركهم جاء في اللحظة المناسبة. يؤكد المسؤول الآذاري، أن السفير الأميركي دايفيد هايل استنفر كل فريق عمله طوال يوم الانتفاضة الأول في 22 آب. قيل إنه اتصل برئيس الحكومة تمام سلام ثلاث مرات متتالية. أولاً لتأكيد حرص بلاده على عدم استقالة حكومته، وثانياً للاطمئنان إلى الحراك الشبابي والمدني في ساحة رياض الصلح. لاحقاً زار هايل السرايا لتكرار الأمرين شخصياً ومباشرة. بعدها أصدر بياناً واضح الاتجاه. تلته بيانات مطابقة عن أكثر من سفارة غربية. حتى أنه قيل إن إزالة جدار الفصل بين السرايا والقرايا، جاء بناءً على نصيحة من هايل نفسه. حرصاً على عدم حصول صدامات عنفية. لأن التصور يقضي بألّا يزج الجيش في أي مواجهة مع المتظاهرين، بل تركه إلى مرحلة لاحقة من مراحل الخطة الناشئة فوراً وعفواً.
هكذا، وعلى عكس تحرك شباب التيار الوطني الحر في 9 تموز الماضي، اختفى الجيش اللبناني من الساحة. في إشارة معبرة حيال المتظاهرين. نزلت قوى أخرى لافتعال الشغب من طرفي الصراع. فيما نزل بعد فض الاشتباكات، قائد الجيش في جولة ما بعد انقشاع غبار المواجهة، وما قبل ارتسام عبار التسوية... هكذا وضعت القطعة الأولى من البازل وبدا العمل على القطع الباقية.
في شكل متزامن، كان العمل جارياً على بلورة الخطوات المرافقة: في بكركي قمة روحية ينتظر أن تزيد الضغط على أمر واحد: انتخاب رئيس. في المجلس النيابي مشروع ورشة حوارية تستعد لتشكل الحاضنة الرحمية لإخراج الإرادة الخارجية ولبننتها بدسترة شكلية. في أروقة وزارات الخارجية البعيدة كلام عن بدء الإعداد لاتفاق وصاية دولية جديدة على البلد. حتى إنه يقال إن أمراً واحداً منها بات معروفاً، كما يقول المسؤول الآذاري، ألا وهو اسم الاتفاق المنسوب إلى مكانه: اتفاق مسقط. هذه المرة، سيشحن سياسيو الهزيمة إلى سلطنة عمان. تماماً كما أدت بدايات أزمة رئاسة 1970 والسلاح الفلسطيني إلى اتفاق القاهرة. وكما أدت أزمة رئاسة 1988 واندلاع حروب الداخل إلى اتفاق الطائف. وكما ذهبت أزمة رئاسة 2007 إلى تركيبة 5 أيار واتفاق الدوحة... سنة 2015 هي سنة اتفاق مسقط يقول المسؤول المعني.
كل القطع باتت جاهزة للتركيب. لم يعد ينقص إلا الصاعق. قد يكون اليوم، السبت 29 آب. أو ما بعده، وما بعد ما بعده. لكن المسار بات محتوماً، كما يقول الآذاري.
هل يصح السيناريو المذكور؟ كثرون من المتابعين للتطورات والأحداث يشككون في ذلك. لسببن اثنين على الأقل، يقولون، أحدهما خارجي والآخر داخلي. في الخارج، يقول مسؤول حكومي معني، لا شيء منجز. وكل الكلام مجرد مشاريع. لا تسوية في اليمن. ولا تسوية في سوريا. والصراع مستمر لفترة طويلة بعد. أما في الداخل، فشباب ساحة رياض الصلح عصيّين أكثر على الاستثمار والاستخدام والاستغلال. فهم ليسوا من نوع ثورة دواليب 6 أيار 1992 التي انتهت إلى مسرحية لإيصال رفيق الحريري، وقيادتهم ليست تحالفاً حزبياً مثل 14 آذار 2005، لتنهي حراكهم بصفقة فرنسية إيرانية تنفذ إملاءً أميركياً سعودياً كما أجهضت ثورة الأرز.
إلى أين ستذهب الأمور من هنا؟ الأكيد أن بداية الجواب عصر اليوم.