الاحتجاجات التي وقعت الأسبوع الفائت أعادت الحياة إلى وسط بيروت. طوال الأسبوع حاصر الناس وسط المدينة المهجور حيث شُيّدت بوابات حديدية، تشبه أسوار السجون، لمنعهم من الدخول الى «جزر الأغنياء». مارست السلطة عنفها بشتى الأشكال، من خراطيم المياه الى إطلاق الرصاص الحي على المتظاهرين، وبدأت حملة اعتقالات عشوائية بلغت حصيلتها في ليلة واحدة أكثر من مئة متظاهر. حُدّد موعد التظاهرة الكبرى في 29 آب، أي أوّل من أمس، والناس تدفقوا بالآلاف، خالعين عنهم طوائفهم وأحزابهم.

قبل أيام من المظاهرة صبّت السلطة جهودها نحو اختراق الحراك الشعبي، فحاول كل من الفريقين السياسيين، أي 8 و14 آذار، استخدام الحراك لتحقيق أهدافهما. انطلقت حملات روّجت أنّ الحراك يستهدف حزب الله، فيما روّج آخرون أنّ الحراك يحقق أهداف التيار الوطني الحر.

في الوقت نفسه، أطلّ وزير الداخلية والبلديات نهاد المشنوق في مؤتمر صحافي حاول فيه جاهداً أن يستخدم «سلاح التخويف» من أجل حثّ الناس على عدم النزول الى ساحة الشهداء. المشهد في الشارع كان مختلفاً. الناس استعدّت «للتظاهرة الكبرى» بعناوين مختلفة. «شو، نازل السبت؟»، الجميع يسأل في شوارع بيروت ومقاهيها وسيارات الأجرة. لم يكن الناس خائفون من العنف، بل على العكس، اتضح أول من أمس أن الناس نزلوا ليواجهوا عنف السلطة، إلّا أنّ السلطة لم تقع هذه المرة في فخ الشارع.

ساحة الشهداء: 72 ساعة وإلّا...

منذ الساعة الرابعة ظهراً بدأ الناس بالوصول الى ساحة الشهداء من مختلف المناطق، فيما كان هناك تجمّعان أساسيان: التجمّع الأول انطلق عند الخامسة من أمام وزارة الداخلية وضمّ مجموعات «بدنا نحاسب»، «طلعت ريحتكم»، «حلوا عنا»، «شباب ضد النظام»، «عكار منا مزبلة»… شكّلت قوى الأمن الداخلي واجهة المظاهرة، إذ ساروا بصف واحد أمام المتظاهرين باتجاه ساحة الشهداء.


انفصل الناس عن زعمائهم من دون أن ينفصلوا عن مبادئهم الحزبية
في الصفوف الأمامية لهذه المجموعات حضر رئيس التيار النقابي المستقل حنا غريب ووزير العمل السابق شربل نحاس، وآخرون شبكوا أياديهم وساروا بمجموعات مختلفة، كلّ لديه شعاراته وصوتياته الخاصة... أمّا الاتجاه فواحد: ساحة الشهداء.
التجمّع الثاني كان في منطقة الجميزة وضمّ النوادي الطلابية، مثل النادي العلماني، نادي السنديانة الحمراء، الحركة الطلابية البديلة والحركة الطلابية الشعبية…
في ساحة الشهداء كانت الأعداد كبيرة، وقد كان واضحاً أنّ المجموعات الداعية، التي تتكلم باسم الحراك، لم تكن هي التي تستقطب، بل كان الشارع هو الذي يستقطب فعلياً.
عند السادسة وصل الجميع الى ساحة الشهداء التي امتلأت بأكثر من عشرين ألف متظاهر من مختلف الأعمار والمناطق وحتّى الأحزاب.
الشعارات التي رفعها الناس عبّرت عن حجم المعاناة التي يعيشونها، وأكّدت أنّ الشارع هو من يقود التحركات وليس المنظمون. كثيرون لم يذكروا أزمة النفايات كسبب لمشاركتهم. نزلوا لأنهم يريدون فرص عمل، كهرباء، مياه، ضماناً اجتماعياً، استشفاءً مجانياً، سلسلة الرواتب، حدائق عامة، هواءً نظيفاً… نعم، الناس لم يعودوا يريدون أن «يتنفسوا باطوناً» كما كُتب على إحدى اللافتات، ويريدون «استرجاع الدالية» و»استعادة وسط بيروت»، وقد أدركوا أنّ «سوليدير دافعين حقها دم»، كما خطّ أحد المتظاهرين على الحائط. تذكّر الشارع في حراك النفايات أنّ حقوقه مسلوبة من قبل طبقة سياسية وصلت وقاحتها إلى أن تُغرقه في النفايات.
وزير الداخلية والبلديات نهاد المشنوق كان المستهدف الأول لدى المتظاهرين بسبب التعامل الهمجي لقوى الأمن واستخدام القوة المفرطة معهم خلال الأسبوع الفائت. انهالت الشتائم على المشنوق والمطالبات باستقالته. في هذه الأثناء كانت قوى الأمن ترفع لافتة كبيرة على أحد الأبنية في الساحة كُتب عليها «منكم، لكم، لحمايتكم. قوى الأمن الداخلي»، ما استفزّ الناس الذين هتفوا «شيلا»، ليرتفع خلال دقائق هتاف واحد: «دمك يا محمد قصير شعلة ثورة رح بصير»، في تذكيرٍ واضح لما ارتكبته القوى الأمنية بالشاب محمد قصير الذي لا يزال الى اليوم يرقد في المستشفى في حالة حرجة جداً.
تمكنت مظاهرة السبت من إثبات أنّ كلّ ما قيل عن هواجس من استخدامها لمصلحة فريق سياسي سقطت، فلا قوى 14 آذار ولا 8 آذار استطاعت أن تستخدم التظاهرة لتحقيق أهدافها، وهو ما ظهر من خلال الشعارات التي صوّبت على «الطبقة السياسية». جميع التحذيرات التي أُطلقت في الأيام السابقة، من استخدام صورة أمين عام حزب الله السيد حسن نصرالله والهجوم الذي شُنّ على الحراك بشأن «تعميم الفساد»، نسفتها التظاهرة التي تمكنت من البقاء خارج عبث الصور، من دون أن تتخلّى عن موقفها بأنّ كل من يشارك في السلطة متورّط في الفساد ولا يمكن رفع المسؤولية عنه.
كذلك أثبت الحراك أنّ الذين نزلوا الى الشارع ليسوا «مستقلين» كما حاول بعض المنظمين أن يوحوا بهدف منع «تهمة السياسة» عن الحراك. بل على العكس، الإنجاز الحقيقي لهذا الحراك هو أنه تمكّن من استقطاب أناس موجودين في الأحزاب وتشجيعهم على الانتفاض ضد زعمائهم من أجل تحصيل حقوقهم. بقي أحمد، القادم من صور، حتى ساعات الليل في الساحة يتظاهر «ضد الجميع». يقول إنّ في صور «نواباً لحركة أمل وحزب الله لا نراهم سوى في مجالس العزاء»، وأصرّ على أن يوجه كلمة لرندة بري عبر التلفزيون «نحنا ولاد حركة أمل ونحنا ولاد المحرومين، المشاعات يلي أخدتيها مش نحنا أحق فيها لنعمّر بيوت ونعيش؟». يهتف أحدهم من الخلف «حركة أمل مبادئ مش أشخاص. أنا عم إتظاهر اليوم لشيلن من مراكزن كلّن، لإن السيد موسى الصدر أول من نادى ضد الظلم». لم يقتصر الحراك فقط على جذب مناصري الأحزاب، بل توسعت رقعته بحيث شارك حزبيون متخففون من العبء الحزبي من مختلف الانتماءات، مثل تيار المستقبل والتيار الوطني الحر. فقد كان لافتاً الحضور العوني ضمن التظاهرة، مثل زياد عبس وأنطوان نصرالله وآخرين من رموز التيار الذين شاركوا استنكاراً لطريقة تعامل التيار الوطني الحر مع الحراك. وعند سؤالهم عن سبب مشاركتهم كان الجواب «لأننا عونيون حقيقيون».
إذاً، انفصل الناس عن زعمائهم من دون أن ينفصلوا عن مبادئهم الحزبية، وهذا أمر مشجّع يجب البناء عليه عوض دعوة الناس الى الابتعاد عن السياسة.
بيان حملة «طلعت ريحتكم» تبع الشارع الذي لم يعد همّه الأساسي أزمة النفايات، فحدّد أهدافاً عاجلة تتعلّق بأزمة النفايات وأهدافاً سياسية متمثلة في «تحقيق دولة مدنية»، معلناً «أن معركتنا ما زالت في أولها ومستمرة الى أن يصبح عندنا رئيس جمهورية وقضاء مستقل، وأن يبقى شبابنا هنا، وأن تسترجع البلديات أموالها، وأن يقف الهدر والاستدانة، وأن ترجع الأملاك العامة الى العموم، وألا نموت أمام المستشفيات، وأن تعيد الدولة المخطوفين». أمهلت الحملة مهلة 72 ساعة (تنتهي غداً) لتحقيق المطالب التالية قبل الإعلان عن خيارات تصعيدية: استقالة وزير البيئة محمد المشنوق، محاسبة وزير الداخلية وكل من أصدر الاوامر بإطلاق النار، إجراء انتخابات نيابية جديدة، إيجاد حل بيئي مستدام لملف النفايات في لبنان يتضمن تحرير أموال البلديات من الصندوق البلدي المستقل وإصدار نتائج تحقيق المدعي العام المالي.

ساحة رياض الصلح: الرغبة في المواجهات

في الجهة الخلفية لساحة الشهداء، أبى البعض أن يغادر ساحة رياض الصلح نظراً إلى الرمزية التي اكتسبتها في هذا الحراك. يقولون «هنا اعتقلنا وهنا رمينا بالرصاص وهنا (أي السراي الحكومي) هدفنا». جلست مجموعة صغيرة في ساحة رياض الصلح فيما كانت الأعداد الكبرى لا تزال في ساحة الشهداء. فعلياً، منذ الساعة السادسة والنصف، كان الناس يتنقلون بين ساحة الشهداء وساحة رياض الصلح. عند الثامنة مساءً، أعلنت الحملة انتهاء التظاهرة، إلّا أن الناس لم يكونوا يريدون الخروج من الشارع، فانتقلوا الى «ساحتهم»، ساحة رياض الصلح، ولحقتهم المجموعات المنظمة للحراك، ما أكّد مرة أخرى أنّ الناس يقودون المنظمين. بعض منظّمي حملة «طلعت ريحتكم» حاولوا أن يقنعوا الناس بعدم البقاء في ساحة رياض الصلح عبر تحذيرهم من الاشتباكات التي قد تحصل، وعندما لم ينجحوا أصدروا بياناً أعلنوا فيه «عدم مسؤولية الحملة، أو أي من منظميها، عن تصرفات بعض الشبان في ساحة رياض الصلح».

هناك، كان الموجودون يهتفون بأنهم «مندسّون»، وقد أحضروا معهم كافة المعدات اللازمة لمواجهة عنف السلطة. مشهد الأسبوع الفائت الذي وسم الشغب بأولاد الأحياء الفقيرة، مثل الخندق الغميق، اختلف نهار السبت، إذ اتضح أنّ المندفعين للشغب هم آخرون.

اتضح أول من أمس
أن الناس نزلوا ليواجهوا عنف السلطة

البعض منهم كان يرغب بصدق في المواجهات ويريد أن يشارك فيها، أما الجزء الثاني فأراد أن يرى ميدانياً عمليات الشغب. الناس في هذه الساحة كانوا يضعون أقنعة الغاز، ويرتدون أكياساً من النايلون من أجل خراطيم المياه، كذلك انتشر البصل في الحقائب للتصدي للقنابل المسيلة للدموع، عدا عن المفرقعات التي جرى رميها خلف الأسلاك الشائكة. في الواقع، العنف الذي مارسته السلطة خلال الاسبوع الفائت ساهم بشكل أساسي في استقطاب الناس عوض تخويفهم، ومن الواضح أن القوى الأمنية أدركت هذا الأمر، فخيّبت آمال المتظاهرين. اتخذت القوى الأمنية إجراءات من خلال توسيع نطاق الأسلاك الشائكة، بما يمنع أي إمكانية للمتظاهرين في سحبها والدخول الى السراي الحكومي، واختفى أي ظهور مباشر لعناصر مكافحة الشغب والقوى الأمنية والإطفائيات تفادياً لاستفزاز المتظاهرين ولعدم استدراج القوى الأمنية الى العنف. استمر المتظاهرون في رمي المفرقعات باتجاه السراي الحكومي، واقتحم عدد منهم أحد المباني في شارع المصارف بهدف تجاوز الأسلاك الشائكة. تمكنت مجموعة من المراهقين من تجاوز الخط الأول من الأسلاك، أمّا المتظاهرون في الساحة فكانوا يراقبون مداخل الساحة، منتظرين لحظة «هجوم» القوى الأمنية عليهم. عند الساعة العاشرة تقريباً وصل خبر عاجل إلى هواتف الموجودين في الساحة بضرورة إخلاء الساحة، لأن القوى الأمنية «ستعالج الأمر»، فغادر الكثيرون فيما هجمت القوى الأمنية واعتقلت 29 شخصاً على الأقل.




الاغتراب يتضامن

تضامن العديد من الجاليات اللبنانية في بلدان الاغتراب مع حملة طلعت ريحتكم، حيث نظمت عدة تجمعات واعتصامات.
في الولايات المتحدة الأميركية، تظاهر مئات اللبنانيين في الساحة الكبرى في مدينة بوسطن في ولاية ماساتشوستس، قرب نصب الكاتب جبران خليل جبران. وحمل المشاركون الأعلام اللبنانية والشعارات الوطنية الداعية إلى إنهاء الفساد، مطلقين خطابات تدعو إلى التغيير في لبنان. وأكد المتظاهرون أنهم يساندون اعتصامات الشباب في لبنان الذين يدعون الى تغيير النظام السياسي، وتحسين فرص العيش منعاً لازدياد الهجرة اللبنانية التي رمت بنخبة شباب لبنان في الخارج. وتحتضن مدينة بوسطن أكبر وأقدم عدد من اللبنانيين المهاجرين في الولايات المتحدة. كذلك نظمت تجمعات في ولاية نيويورك أمام القنصلية اللبنانية في مانهاتن، وفي ولاية ديترويت.
وفي فرنسا، تظاهر اللبنانيون في ساحة تروكاديرو في العاصمة باريس، حاملين الأعلام اللبنانية، هاتفين للبنان خال من الفساد والوساطات.
كذلك نظمت تجمعات في العاصمة البلجيكية بروكسل، وفي العاصمة البريطانية لندن، وفي مدينة ميونيخ الألمانية، وفي مدينة مونتريال الكندية.
ودفع الحراك الشبابي في لبنان مجموعة من الناشطين في سيدني في أوستراليا، إلى الدعوة لعقد لقاء تشاوري الأسبوع المقبل لتحديد آلية دعم الحراك. وجرى حوار حول وضع آلية عمل لتطوير اللقاء وتوسيعه ليشمل أكبر عدد من أبناء الجالية بعيداً عن المنطق الطائفي.