خطف عناصر من فرع المعلومات (وهم بلباس مدني) متظاهرين بين الساعة السابعة والثامنة من مساء السبت، بحسب شهود عيان، واعتقلت القوى الأمنية، عشوائياً، ما لا يقل عن 29 شخصا في ساحة رياض الصلح، وقد افاد بعض الذين أُفرج عنهم بانهم تعرضوا لضرب مبرح وتعذيب وأُخضعوا لفحص المخدرات (فحص البول)، ما مثّل انتهاكات متكررة لحق التظاهر والتعبير.


كل ذلك حصل، في وقت حاول فيه وزير الداخلية نهاد المشنوق تلميع صورته وصورة قوى الأمن الداخلي، تارة عبر رفع لافتة في ساحة الشهداء كتب عليها «منكم ولكم ولحمايتكم»، وتارة أخرى من خلال توجيه التحيات الى المتظاهرين السلميين «ومنظمي التظاهرة»، والى «بيروت الحضارية برغم اصرار قلة قليلة على تشويه هذه الصورة».
الا أن هذه «القلة القليلة» التي يتحدث عنها المشنوق، كانت كثيرة في ساحة رياض الصلح، حيث تجري المناوشات بين المتظاهرين والقوى الامنية المكلفة حماية مقري الحكومة ومجلس النواب. وكما في كل مرّة، حاولت مجموعة من الشبان الغاضبين أن تخترق الأسلاك الشائكة، ورمت على السرايا الحكومية قناني بلاستيكية وبعض المفرقعات النارية، تعبيرا عن استيائها من الطبقة الحاكمة. مرّ الامر طيلة الفترة التي حددها المنظمون للتظاهر من دون اي احتكاك مباشر بين المتظاهرين والقوى الامنية، ولكن هناك سيناريو بات يتكرر كل مرّة. تأتي مجموعة من الشبان على دراجات نارية، تخترق المعتصمين، وهي مجموعة لا علاقة لها بالشبان الغاضبين الذين يحاولون اختراق الأسلاك الشائكة. تبدأ هذه المجموعة باعمال تخريب وتخرج سريعا من المكان. هذه المجموعة باتت معروفة بالنسبة إلى الكثيرين، حالما يصل أفرادها يعرف من في الساحة أن القوى الأمنية «ح تبلش شغلها». حالما غادرت هذه المجموعة، خرج عناصر مكافحة الشغب، وبأعداد كبيرة جدا، من مداخل المباني والشوارع المحاذية للساحة.


الاعتقال العشوائي يُنتج ضررا ماديا ومعنويا

تخطى عددهم عدد المشاركين فيها. سارع المتظاهرون الى الهروب، الا أن قوى الأمن والجيش اللبناني اعتقلت عددا من الذين ركضوا خوفا من عنف الهراوات، فاصطادتهم في الشوارع الفرعية بعيدا عن اعين الاعلاميين وكاميراتهم، ومن ركض باتجاه ساحة الشهداء، جرى اعتقاله بواسطة الحواجز المتنقلة التي نصبها الجيش والقوى الأمنية.
حملة الاعتقالات العشوائية طاولت 29 شخصا على الأقل (بينهم قاصرون)، تُرك 15 منهم ولا يزال 14 قيد التوقيف (10 لدى قوى الأمن الداخلي، و4 لدى الشرطة العسكرية)، اضافة الى وجود 7 مفقودين (بينهم 3 قاصرين). لجنة المحامين للدفاع عن المتظاهرين في لبنان، التي أسست بمبادرة من المفكرة القانونية، جالت مساءً على جميع مخافر بيروت، لمعرفة أسماء المعتقلين.
هؤلاء الموقوفون جرى اعتقالهم دون أي مسوّغ قانوني، وضبط النفس الذي مارسه العناصر الأمنيون أمام الوسائل الاعلامية، سرعان ما تخلوا عنه لحظة الاعتقال. فتعرض الموقوفون لضرب مبرح فضلا عن كيل الشتائم والاهانات من لحظة الاعتقال والاقتياد الى المخافر حتى لحظة الافراج عنهم. وتلفت المحامية غيده فرنجية الى أن لجنة المحامين لم تعرف بعد أي شيء عن المعتقلين لدى مخابرات الجيش أو لدى فرع المعلومات، نتيجة التعتيم والتكتم الشديدين من قبل هذين الجهازين الامنيين، كما تلفت فرنجية الى أنهم تأكدوا من أن بعض المعتقلين أخضعوا لفحوص المخدرات، وان القاصرين المعتقلين لدى الجيش لم يجرِ التحقيق معهم بحضور أهلهم ومندوب الأحداث بحسب ما ينص القانون.
كان عناصر مكافحة الشغب، قبل ذلك، موزّعين على جميع الطرقات الفرعية المحيطة بساحة رياض الصلح، بطريقة لا تثير انتباه الناس. ووسّعت الحواجز المؤلفة من أسلاك شائكة بين الطريق المؤدي الى السرايا والمتظاهرين لتجنب أي احتكاك مباشر مع المتظاهرين. بدا السلوك الامني مضبوطا في ذروة التظاهرة. فلم تعتدِ القوى الأمنية وعناصر مكافحة الشغب وشرطة المجلس النيابي وسرية الجيش التابعة له على المتظاهرين الذين اقتربوا من السرايا الحكومية في ساحة رياض الصلح مباشرة، ولم ترم عليهم القنابل المسيلة للدموع أو الرصاص المطاطي والحي أو غيرها من أدوات القتل التي استخدمتها السلطة في السابق لترهيب المواطنين، ولكن ذلك لم يدم طويلا، فحالما خف عدد المتظاهرين وتقلصت التغطية الاعلامية الى ادنى حد، عادت القوى الامنية الى ممارسة البطش والتأديب.
الاعتقال العشوائي لا يمثّل فقط انتهاكا واضحا وصريحا لحق التظاهر والتعبير، بل يُنتج أيضا ضررا ماديا ومعنويا على الذين يجري توقيفهم. احد الأشخاص الذين جرى توقيفهم كان من العاطلين من العمل لفترة طويلة، وبعد عناء طويل في البحث عن أي عمل، وجد وظيفة كان يفترض أن يكون اليوم هو يوم العمل الأول له فيها، الا أنه ما زال موقوفا. متظاهر آخر اعتُقل، مهدد اليوم بالطرد من عمله، جراء عملية الاعتقال، ومتظاهر ثالث هو أحد موظفي الادارة العامة، وهو الآخر مهدد بأن يحاسب داخل الادارة التي يعمل ضمنها.




ساحة واحدة صُوِّت فيها

لم يكن هناك انقسام تام بين ساحتي الشهداء ورياض الصلح. نقطة التجمع الأساسية كانت ساحة الشهداء، الا أن المئات من المتظاهرين فضّلوا الهتاف والتظاهر أمام السرايا الحكومية، لرمزية المكان، وبرزت محاولات من قبل بعض المنظمين لـ «توجيه» المتظاهرين للتوجه ناحية ساحة الشهداء لا رياض الصلح، مبررين بأن «بعض أعمال الشغب قد تحصل». الناس لم يكترثوا فعليا، وعدد كبير جدا منهم كان يتتنقل بين الساحتين، الا أنه يسجّل على الحملات المنظمة للحراك (تحديدا طلعت ريحتكم وبدنا نحاسب) دعوات المتظاهرين للخروج من ساحة رياض الصلح، ليصل الحد بالبعض لتهديد المتظاهرين «المشاغبين» بتسليمهم الى القوى الأمنية!