تتجه الأنظار اليوم نحو وزارة الداخلية والبلديات، حيث من المفترض أن يعلن الوزير نهاد المشنوق نتائج التحقيقات في شأن اعتداءات القوى الأمنية والجيش اللبناني على المتظاهرين يومي السبت والأحد في 22 و 23 من الشهر الفائت.

اعترف المشنوق في وقت سابق، بأن ثلاث جهات أطلقت النار على المتظاهرين: حرس مجلس النواب، سرية الجيش المكلفة حماية مجلس النواب وقوى الأمن الداخلي، متعهداً بمحاسبة كل من يثبت أنه متورط في استخدام العنف بنحو مفرط.

إلا أن المشنوق نفسه تبرأ من مسؤوليته الشخصية عن كل ما حصل، متذرعاً بأنه كان خارج البلاد ولم يعط أي أوامر بإطلاق النار. في المقابل، ردت قيادة شرطة مجلس النواب على كلام المشنوق، مؤكدة أن شرطة المجلس لم تطلق النار بتاتاً، «بل كانت داخل حرم المجلس وفي حدود عملها ونطاقها». علماً بأن عدداً كبيراً جداً من هذه الاعتداءات موثق بالصور والفيديوات، فيما أقدم عدد من المتظاهرين المعتدى عليهم على تقديم شكاوى إلى وزارة الداخلية، مرفقة بتقارير الأطباء الشرعيين.
المتابعون لهذه القضية لا يتوقعون أن يصل هذا التحقيق إلى ترتيب أي مسؤولية على وزير الداخلية أو أيٍّ من قادة الأجهزة المعنية، وعلى الأرجح، حسبما يرجحون، أن يكتفي باقتراح عقوبات مسلكية لبعض العناصر في قوى الأمن، ولا سيما أن المشنوق مهّد لذلك بتركيزه على أن العنف كان متبادلاً، ومارسه أيضاً المتظاهرون على القوى الأمنية، وكأنها ذريعة لتبرير ممارسات عناصر قوى الأمن والجيش.
رغم كل ما حصل، استمرت الانتهاكات والاعتداءات على المتظاهرين في الأيام اللاحقة. فالاعتقالات العشوائية لم تتوقف، والعنف يرافق عمليات الاعتقال، ويتعرض المعتقلون للتعذيب أثناء التحقيق.
يروي المحامي أديب زخور، عضو لجنة المحامين للدفاع عن المتظاهرين في لبنان، لـ»الأخبار» مشاهداته يوم السبت الفائت، حين اعتقلت القوى الأمنية والجيش اللبناني 29 شخصاً على الأقل، وبطريقة عشوائية. زخور انتظر أمام أحد المخافر حتى الساعة الثالثة صباحاً، إذ منع من مقابلة الموقوفين، تحت حجة أنهم «ليسوا موقوفين». وحين سمح له عند الثالثة صباحاً مقابلتهم، لم يسمح له بالحديث إليهم لتعريفهم بحقوقهم ومنحهم التطمينات القانونية اللازمة، واقتصر الأمر على رؤيتهم ومعرفة أسمائهم. يقول زخور إن القوى الأمنية تصر على انتهاك كل البنود في المادة 47 من أصول المحاكمات الجزائية، التي تنص صراحة على أن «المشتبه فيه أو المشكو منه» يحق له الاتصال بمحامٍ أو أحد أفراد عائلته أو معارفه، وتعطيه الحق بمقابلة محامٍ يعيّنه بتصريح يدوَّن في المحضر، دون الحاجة لوكالة منظمة وفق الأصول.


أكثرية الذين خرجوا
من الاعتقال كانت آثار العنف والتعذيب واضحة على أجسادهم
ويضيف زخور أن مخافر عدة رفضت حضور طبيب شرعي للكشف على المعتقلين، نتيجة تعرضهم لضرب مبرح لحظة الاعتقال، أو في طريقهم إلى المخفر، أو داخل السجن وأثناء التحقيق، يقول: «شفتن هني وواصلين على المخفر، عم ياكلو سحاسيح وكفوف ولبيط». ويشير زخور إلى أن عدداً من المعتقلين أُجبروا على الخضوع لفحوص المخدرات.
شهادة المحامي زخور تؤكّدها وقائع كثيرة يذكرها المعتقلون أنفسهم أو من كانوا شهوداً على اعتقالهم. فأكثرية الذين خرجوا من الاعتقال كانت آثار العنف والتعذيب واضحة على وجوههم وأجسادهم نتيجة الضرب المبرح الذي يهدف إلى الأذية. أحد المعتقلين غاب عن الوعي نتيجة عارض صحي تعرض له، فعمد عناصر الدرك إلى ركله بهدف إيقاظه! آخر تعرضت يده للكسر ولم يُنقل فوراً إلى المستشفى ولم يخضع مباشرة لإشراف طبي يضمن سلامته.
هناك الكثير من الحالات التي لا تزال قيد التوثيق من قبل لجنة المحامين بهدف رفع دعوى على الدولة بسبب هذه الممارسات غير القانونية والمتعارضة مع حقوق الإنسان. يتحدث زخور عن انتهاك أساسي مرتبط بحق التظاهر، وآخر يتعلق بعدم التزام العناصر الأمنية حدود التدخل المرسومة لهم، فيتكرر في كل مرة المشهد نفسه: عناصر مكافحة الشغب يردون على محاولات نزع الشريط الشائك بالاعتداء على جميع المتظاهرين، مترافقاً مع حملة اعتقالات عشوائية. يقول زخور إنّ من واجبات القوى الأمنية حماية المتظاهرين بالدرجة الأولى، لا ضربهم، وإن كانت هناك محاولات لنزع الشريط الشائك أو غيرها، فإن حدود تدخل القوى الأمنية هي لردع هذه المحاولات في نطاقها الضيق، دون أن تتعرض بالضرب لجميع المتظاهرين وملاحقتهم في الشوارع والأزقة كما لو أنهم مجرمون أو إرهابيون. يشرح زخور أن عناصر مكافحة الشغب مهمتها «مكافحة الشغب»، لا ملاحقة المتظاهرين. ويشير زخور إلى أنه حتى ما سُمِّي أعمال شغب هي أعمال لا تتخطى حدود نزع الشريط الشائك أو رمي بعض الحجارة باتجاه السرايا لا القوى الأمنية، وهي لا تستدعي هذا الرد العنفي من قبل عناصر مكافحة الشغب.
تجدر الإشارة إلى أن عدد الذين ما زالوا موقوفين منذ تظاهرة 22 آب حتى اليوم بلغ 13 موقوفاً لدى قوى الأمن الداخلي، و4 لدى الشرطة العسكرية، بينهم عدد من القاصرين، إضافة إلى 10 مفقودين لا تزال لجنة المحامين تحاول تحديد مصيرهم.