كلف رئيس الحكومة اللبنانية تمام سلام، وزير الزراعة أكرم شهيب، ترؤس لجنة للنظر في ملف أزمة النفايات واقتراح مخارج وحلول فورية للأزمة. وذكر بيان صدر عن المكتب الاعلامي لسلام، امس، أنه قرر تكليف شهيب ترؤس لجنة من الخبراء وأصحاب الاختصاص، تكون مهمتها النظر في الملف واقتراح مخارج وحلول فورية للأزمة، وتأخذ في الاعتبار التوجه الذي عبّر عنه مجلس الوزراء في جلسته الأخيرة إضافة إلى أيّ أفكار مفيدة أخرى. وأضاف البيان أنه تقرر أن تبدأ هذه اللجنة فورا اجتماعات مفتوحة، وترفع نتائج عملها إلى رئيس الحكومة في أسرع وقت ممكن، وذلك في إطار رؤية جديدة لمعالجة الأزمة.


وكان وزير البيئة محمد المشنوق، قد أعلن انسحابه من اللجنة الوزارية المكلفة معالجة أزمة النفايات، داعيا رئيس الحكومة اللبنانية تمام سلام إلى تكليف وزير آخر هذا الملف. وجاءت هذه الخطوة بعدما صرحت مكونات حراك ٢٢ آب، التي تضم عددا من الحملات والتجمعات، أنها ستبحث اليوم التحركات التالية في حال عدم الاستجابة لطلباتها، وأمهل المشاركون في تظاهرة السبت الماضي الحكومة 72 ساعة لتنفيذ مطالبهم، وهي استقالة وزير البيئة، ومحاسبة وزير الداخلية نهاد المشنوق بسبب إطلاق النار على المتظاهرين، وكذلك وضع قانون انتخابي جديد.
قد يرى حراك ٢٢ آب ان تنحي وزير البيئة عن امانة سر اللجنة الوزارية، المكلفة متابعة ملف النفايات، خطوة دون السقف الذي حدده، والمتمثل باستقالة الوزير، لكنّ خطوة سلام بنقل الملف الى لجنة خبراء برئاسة شهيب ستفتح النقاش مجدداً حول بدائل المرحلة الانتقالية بعد اغلاق مطمر الناعمة – عين درافيل، وحول الحل المتوسط الامد المرتبط بمصير مناقصات النفايات التي الغيت في مجلس الوزراء، اضافة الى مصير الحل الطويل الامد والمتمثل باطلاق مناقصة عالمية بدفتر شروط جديد لانشاء معامل كبرى لتحويل النفايات الى طاقة بقدرة استيعابية تتجاوز ٤ آلاف طن.
المهمة الاصعب امام شهيب تتمثل بالقدرة على تسويق مقترحات جديدة للمرحلة الانتقالية التي تقضي بطمر النفايات غير المعالجة في اماكن يجري تحديدها بالتوافق مع اتحادات البلديات، ومن المعلوم ان موقع سرار في عكار هو الموقع الابرز على طاولة البحث بعد اقرار الحكومة صرف مبلغ ١٠٠ مليون دولار في المحافظة عبر الهيئة العليا للاغاثة، لكنّ هذا الموقع لن يكون كافياً لنقل ما يقارب ٢٨٠٠ طن من النفايات يومياً من بيروت وجبل لبنان، اضافة الى نقل النفايات التي ترمى حالياً في مكب طرابلس العشوائي، لذلك فإن توزيع جزء من هذه النفايات على مواقع اخرى مسألة حتمية لنجاح المرحلة الانتقالية، فيما لو قدّر لخيار موقع سرار ان يبصر النور، بعد تفكيك مجموعة من العقد المرتبطة بهذا الموقع وقرار البلديات والنواب، ومدى تأثير حملة «عكار منا مزبلة» على اقناع الاهالي بالانتفاض بوجه هذا القرار وتعطيله في الشارع.


المهمة الأصعب امام شهيب تتمثل في القدرة على تسويق مقترحات جديدة للمرحلة الانتقالية


اما في ما يتعلق بالحل المتوسط المدى، فيتبين ان نتائج تقييم العروض المالية الخاصة بمناقصات النفايات، بالاستناد الى تقرير الاستشاري الالماني IGIP ، اظهرت ان العروض المالية الحالية سترتب على الخزينة ما يقارب ٢٨٨ مليون دولار سنوياً لكنس وجمع ومعالجة وطمر ٦٥٥٥ طنا من النفايات يومياً، منها حوالي ١٤٨ مليون دولار لمحافظتي بيروت وجبل لبنان. في المقابل لم يقدم التقرير رقما للكلفة الحالية التي تدفعها الخزينة على كافة المناطق اللبنانية، لكن المتداول ان معالجة النفايات ضمن العقود الحالية في بيروت وجبل لبنان تكلف الخزينة حوالي ١٤٠ مليون دولار (دون قضاء جبيل)، وهي لا تؤمن استرداد اكثر من ٢٠ بالمئة من النفايات، فيما كانت تطمر الكمية الباقية في مطمر الناعمة عين درافيل المقفل حالياً، لكن اذا ما اضفنا المبلغ المدفوع حالياً في بيروت وجبل لبنان الى المبالغ التي تدفع للشركات المتعهدة معالجة النفايات في الشمال والجنوب والبقاع، فان الرقم الاقرب الى الواقع يشير الى ما يقارب ٢٢٠ مليون دولار سنوياً. هذا دون احتساب كلفة التدهور البيئي من جراء الواقع الحالي للقطاع في بيروت وجبل لبنان، التي جرى تقديرها استناداً الى دراسة نشرت عام ٢٠١٤ بحوالي ٦٦.٥ مليون دولار في السنة، مضافةً اليها كلفة الفرص الضائعة لجهة استرداد النفايات وتجنب الطمر المكثف، التي قدرت بحوالي ٧٣.٩ مليون دولار سنوياً.
تقول وزارة البيئة في معرض دفاعها عن الكلفة الحالية المتوقع دفعها في حال اقرار المناقصات ضمن الاسعار الحالية، ان قرارات مجلس الوزراء فرضت ضرورة تامين خدمة الكنس في سائر المناطق اللبنانية من ضمن المناقصات، فيما العقود الحالية لا تتضمن هذه الخدمة سوى في بيروت وضواحيها. وفي مقارنة بين السعر المقترح من العارض الفائز في بيروت والضواحي (تحالف لافاجيت- باتكو- دانكو) يتبين ان كلفة الكنس هي ١٦.٥٧ مليون دولار سنوياً، فيما الكلفة الحالية بالاستناد الى معادلة اسعار عام ٢٠١٣ هي ١٧.٩٢ مليون دولار.
وخلصت وزارة البيئة الى اقتراح التفاوض مع الشركات التي فازت لتخفيض اسعارها قدر الامكان، وتلزيم خدمة الجمع والمعالجة دون الكنس الذي يمكن للبلديات توليها مباشرة عن طريق عمالها او من خلال اطلاق مناقصة للتعاقد مع شركات محلية لتقديم هذه الخدمة التي لا تحتاج الى خبرات وتقنيات دولية.
كذلك تقترح الوزارة تأمين مواقع للطمر الصحي بقرار من مجلس الوزراء اذا تعذر على الشركات الفائزة ذلك، على ان يفسح للبلديات الراغبة بادارة هذا الموضوع بنفسها ان تقوم بذلك من خلال تحرير اموالها من الصندوق البلدي المستقل، وشرط ان تتعهد تامين الخدمة المتكاملة نفسها.
يتقاطع اقتراح وزارة البيئة بتحرير اموال البلديات من الصندوق البلدي المستقل، مع مطالب المتظاهرين، لكن مجلس الوزراء الذي قارب هذه المسالة على نحو عابر في جلسته الماضية، لن يستطيع اقناع اي جهة بانه جاد في هذه المسألة طالما لم تقترح وزارتا المالية والداخلية بصورة عاجلة مشروع مرسوم بتوزيع هذه الاموال للموافقة عليه في اقرب جلسة. والاهم، ان هذا المرسوم الذي يفترض ان يوزع قرابة ٢٣٠٠ مليار ليرة على البلديات، يجب الا يتضمن عملية مقاصة للديون المتراكمة عليها لمصلحة الصندوق، والبالغة قرابة ٢٥٠٠ مليار ليرة حتى نهاية عام ٢٠١٤، وإلا فان هذه البلديات لن يصلها سوى فتات لن يكفيها لتامين اعمال الحراسة والتشريفات في المقارّ البلدية.
ماذا عن الحل الطويل المدى، اي اعتماد خيار تحويل النفايات الى طاقة عن طريق المحارق، وذلك بالاستناد الى دفتر الشروط الذي اعده الاستشاري الدنماركي رامبول؟ والذي سلم نسخة منه الى مجلس الانماء والاعمار في ٢٤ الشهر الماضي. تتحفظ الجمعيات البيئية على هذا الخيار لكون عملية توليد الطاقة ناتجة عن حرق النفايات. وتقول الجمعيات ان خيار المحارق بمعزل عن حداثتها وجودتها تحمل مخاطر كبيرة على الصحة العامة، لكن الحقيقة ان معارضة هذا الخيار يجب الّا تنحصر في شقه البيئي، وخصوصاً انه مستخدم على نطاق واسع في دول مثل سويسرا وهولندا وفرنسا، التي تعتمد معايير عالية في الجودة البيئية، لكن هذا الخيار ساقط حكماً بسبب تعذر تطبيقه في لبنان من الناحية المالية، اذا ما جرى استبعاد خيار الاستدانة او فرض ضريبة جديدة مباشرة على المواطنين، تماماً كما اقترحت حكومة الرئيس سعد الحريري عام ٢٠١٠. وفيما اجمع الوزراء على ان المناقصات التي ستكلف الحكومة ٢٨٨ مليون دولار سنوياً هي مناقصات مكلفة، ولا طاقة للخزينة على تحملها، فكيف سيكون رد الفعل اذا ما تبين ان خطة المحارق، التي أُقرت عام ٢٠١٠، تقترح تمويل الدولة لكافة الإنشاءات ، حيث تبلغ كلفة إنشاء أربع محارق 950 مليون دولار، فيما تبلغ كلفة تشغيل كافة الإنشاءات 114 مليون دولار سنوياً. كذلك تبلغ كلفة إنشاء مطامر ومراكز معالجة جديدة ضمن خطة المحارق قرابة ٥٧ مليون دولار، من دون احتساب كلفة الاستملاك.