تشير الساعة إلى العاشرة مساء، موقف السيارات المواجه لمبنى العازارية في وسط بيروت، حيث وزارة البيئة، يعجّ بالناس. هنا، في الموقف/ الساحة، يبدو المشهد لافتاً: تُزاحم عربات «الآيس كريم» و»الكعك»، وسيارات الإسعاف والصليب الأحمر والدفاع المدني. على مقربة من صخب المتظاهرين ومناوشاتهم مع قوى مكافحة الشغب، يقف صاحب عربة كعك منادياً المتظاهرين لـ»شحذ طاقة» للتظاهرة عبر شراء كعكة الجبن.


يصرخ زميل له يبيع المياه بشعارات على وزن شعاراتهم: «الشعب بدو ماي، تعا اشرب ماي»، فيما يسير طفل «ينافسه» لا يتعدى عمره الـ 5 سنوات بين المتظاهرين لتوزيع المياه «دليفري»، أو لعلّه يوزع عليهم «سلاحهم» الأوحد في وجه القوى الأمنية: قوارير المياه البلاستيكية التي استبدلوا الحجارة بها. أمّا عربات «الفريسكو»، فشكّلت «متراساً» يختبئ المتظاهرون خلفه عند عمليات الكر والفر التي باتت مألوفة.
كل شيء يوحي هنا بواقع مفاده أن هؤلاء الناس ألفوا الساحات والاعتصامات، أطفالاً ومراهقين وشباناً، بقوا حتى ساعات الليل المتأخرة، ومن دون أي قرار من حملة «طلعت ريحتكم» أو غيرها من المجموعات المشاركة في الحراك، يفترشون مداخل مباني العازارية، مطالبين باستقالة الوزير محمد المشنوق، ومحتجين على «الطريقة البوليسية» التي تعاملت بها قوى مكافحة الشغب مع المحتجزين.


بقي المتظاهرون
في الساحة من دون أي قرار من أي حملة


عند أحد مداخل الوزارة، وقرابة الساعة الثامنة مساء، يصرخ شاب محمول على الأكتاف أمام المحتشدين ويقول: «نحنا ما حدا بيمثّلنا، ولا حدا بيطلب مننا ننزل أو نطلع من الشارع، نحنا موجوعين ونحنا منقرر». تصريح الشاب أتى بعد مطالبة أحدهم، قيل إنه من حملة «طلعت ريحتكم»، المعتصمين بالخروج من الساحة وفض الاعتصام. لم يتم التأكد من صحة «دعوة» الحملة لفض الاعتصام، إلا أن ردة فعل المعتصمين الذين أصروا على عدم الالتزام بترك الساحة، يثبت أن من يشارك في الحراك يأتي، كما كثيرون، بدافع فردي. «كل واحد بيمثّل حالو»، يقول رائد (17 عاماً) القادم من عكّار، لافتاً الى أن «ريحة بيوتنا من قلة الماي والكهربا هي اللي بتنزلنا».
عند التاسعة مساء، حاولت القوى الأمنية تكرار السيناريو «المعهود»: إطفاء الأضواء، هجوم مفاجئ لقوى مكافحة الشغب بهدف بعثرة الناس. إلا أن هذا «السيناريو» لم يدم طويلاً. عاد الناس، أطفالاً وكباراً الى الساحة، وآثروا البقاء لـ»ترصّد» المشنوق. الجميع هنا يدرك أن المشنوق هو ليس المسؤول الأول عن الأزمة، إلا أنه «جزء من النظام»، وفق ما يقول أحمد ضاهر، الناشط في حملة «بدنا نحاسب». فيما يقول جوناثان بولس (30 عاماً) الآتي من الأشرفية إن المشنوق في الواجهة، ولنُسقط هذا النظام علينا إسقاط أحد رموزه.
لم تخلُ الساحة إلا قرابة الحادية عشرة عندما تأكد المحتشدون من أن المعتصمين المحتجزين غادروا مكاتب الوزارة، وأن الوزير المشنوق لم يعد موجوداً في مكتبه. وعلى الرغم من أنهم بقوا ساعات يترصدون خروجه لمواجهته، عاد البعض منهم مكتفياً بـ»إنجاز» احتجاز الوزير لساعات، وتكبيد القوى الأمنية عناء ملاحقتهم من دون أن تطالهم عصيّها.