ساحة رياض الصلح التي دأب شبان وشابات على التجمع فيها يوميا منذ تظاهرة 22 آب، لم تعد مكانا عاما للتظاهر فقط. في هذه الساحة «احتفلنا بأعياد ميلاد بعض الرفاق تحت شعار الشعب يريد اسقاط النظام»، كما تقول المحامية والناشطة السياسية ميسا سليمان. الشابة الجنوبية تبدو فرحة وهي تتحدث عن الساحة الـ «كتير حلوة ومنتجة».


تُخبر كيف أن رصيف الشوارع بات لكل الناس: «يجلس هنا شباب الخندق الغميق والبسطة وصبرا والشياح. نتحدث ساعات والنقاش معهم يكون فعالا وغنيا». تجمع الساحة أناسا «كتير بعاد سياسيا وطائفيا ولكنهم قادرون على التلاقي حول نقاط مشتركة». هذه الساحة، برأيها، هي لتكوين وعي شعبي «وساحة لكسر حاجز الخوف بغض النظر عن الملاحظات التنظيمية».
ميسا وجه ألفه من شارك في التظاهرات الشعبية والمطلبية العديدة منذ سنوات. هي ابنة عائلة يسارية، «تربية الجبهة الشعبية ولم نكن مرة بعيدين عن أجواء التظاهرات». وجودها في الحراك أمر طبيعي: «البداية كانت من التظاهرات أمام السفارة الأميركية عام 2000، تبعتها تظاهرات مطلبية عديدة كحملة اسقاط النظام الطائفي، معارضة التمديد النيابي، المطالبة بالافراج عن الاسير جورج عبدالله واليوم هذا الحراك الشعبي». اذا هي البيئة التي تربت فيها سليمان تدفعها نحو «الشارع»؟ «لم أنتمِ يوما الى جهة سياسية وبالتالي أحدد تحركاتي بناء على قناعة شخصية».


أُفضّل ان تكون قناعاتي مستقلة واصنع خطابي


سليمان، لم تشارك منذ بداية تحركات «طلعت ريحتكم» وما السبب الا «تجارب تنظيمية سابقة مع المنظمين أنفسهم أثبتت فشلها وعدم وضوح أهدافها»، الا أن توسع الحراك «كان الدافع للمشاركة ولو بشكل رمزي قبل أن تتطور الامور بهذا الشكل».
مجموعة من «الرفقة» من خلفيات مختلفة «ننسق ونتناوب على الحضور في الساحة في حال تعذر وجود أحدنا»، تقول سليمان. وتضيف أن «الأجمل هو المبادرات الفردية والناس الذين يشاركون لمجرد غضبهم من السلطة من دون ارتباطهم بأي جهة حزبية أو مدنية». الفتاة العشرينية تفضل أيضا أن تساعد كناشطة ومحامية «عوض أن أشارك باطار رسمي. أفضل أن تكون قناعاتي مستقلة وأصنع خطابي الى أن يكون هناك خطاب موحد ممكن أن أقتنع به».
ملاحظات عديدة توجهها سليمان الى الجهات المنظمة، أبرزها الحديث عن «مندسين، انما يجب احتواء هؤلاء الذين أتوا من طبقات اجتماعية مختلفة»، وتقسيم الساحة «من قبل منظمين لا صفة لهم لتصنيف الناس». تُحمل سليمان المسؤولية «لاستغناء بعض المنظمين عن هذا الشارع الغاضب الذي أدى لانفلات السلطات الامنية تجاه الجميع. رفيقتي الصحافية وأنا المحامية تعرضنا للضرب وعُنفنا بتهمة الاندساس». الخطأ الذي يقع به المنظمون هو «اصرارهم على حصر الاهداف بموضوع النفايات في وقت يبدو واضحاً أن تحويل الحراك الى سياسي يمكننا من تحقيق ثغرة في جدار السلطة الفاسدة». ورغم إحباط بعض الشباب من العقبات التي حالت منذ عام 2011 دون تحقيق مطالبهم، تقول ميسا: «تعلمنا أن لا نرفع سقف الآمال والمطالب كثيرا»، لكن «منذ الحركة الطلابية في سبعينات القرن الماضي لم يحصل هذا الزخم ولم ينبض الشارع بهذا الشكل».